ملك يوسف التل

إذا كان هناك من وقت نحتاج فيه لاستعادة أيام عمّان الأم.. عمّان الأربعينيات والخمسينيات وحتى الستينيات، فهذا هو الوقت..

وليس فينا من لا يعرف السبب!

أقصد استعادة عمان اللويبدة وراس العين والمهاجرين وعين غزال وغيرها الكثير الذي يفيض عن الذاكرة من ناس وجبال وحارات وملاعب ودكاكين واسواق مدينة عاشت بروح القرية وبنبض العيلة وطهارة الجيرة المقدسة.

كثيرون من الرواد الآباء الذين عاشوا عمّان في النصف الأول من القرن الماضي، وحظوا بنعمة معايشة هذه الحاضرة الأثيرة وهي تتحول وتتوسع وتتغير في النصف الثاني من القرن العشرين، حكوا وكتبوا واستذكروا وقارنوا بشجن واحيانا بحرقة.

وكانوا بذلك يؤدون واجبا تجاه الأجيال الجديدة التي باتت تسمع عن عمان الأم وأحيانا لا تصدق كم كانت عمان أمّا وجدة ومستقبلا منذورا للعز.

أما حديث ميسون العرموطي عن عمان التي لا نعرفها اليوم، فهو حديث مختلف. فهي تمتلك رزما من السجايا والمواهب أولها الذاكرة الفوتوغرافية المغرقة في التفاصيل التي تحكي كل منها ترويدة بصوت خفيض حميم.

وحين يضاف للذاكرة الدفيئة شئ كثير من التواضع الموروث بدون افتعال، تكتسب مشاهد الأبيض والأسود صفة المهرجان الملون بالضوء والخضرة وبأصوات الوديان التي كانت تفيض من جبال عمان إلى ساحة الحسيني.

الفرق النوعي الذي يعطي لذاكرة أم طارق سطوة أنيسة، هو أنها ارتادت العمل التطوعي الخيري مبكرا وبعدّة مثقفة، فكان لها في جمعية الأسرّة البيضاء مثل الذي كان لها في جمعية الشؤون الدولية من رسالة استشرافية متحركة في مفاهيم التنمية والمسؤولية، تستحق ان نحملها معنا للمئوية الثانية للدولة.

جمعية الشؤون الدولية

تعتز ميسون العرموطي كثيرا بعضويتها في جمعية الشؤون الدولية وترى في ذلك مسؤولية ضمن خلية استشراق المستقبل الذي فيه الأردن مؤويته الثانية.

تستذكر ان انضمامها للجمعية العتيدة جاء ذلك من خلال مشاركتها في احدى ندوات المعهد الدبلوماسي بتقديم برامج عن مهارات القيادة والاتصال والانصات والحوار وادارة الجلسات حسب النظام البرلماني للملحقين الدبلوماسيين حديثي التعيين في الخارجية.

تقول: في احدى الندوات التي ذكرتها لفت مداخلتي المدير التنفيذي لجمعية الشؤون الدولية فخري أبو شقرة حيث دعاني لحضور اجتماعات الجمعية التي يترأسها د. عبد السلام المجالي وتضم نخبة من قامات ورجالات الدولة وأساتذة الجامعات بمختلف تخصصاتهم تتحدث بالشأن الداخلي والعالمي في جو راقٍ وهامش من حرية التعبير والتفكير الناقد العقلاني الوطني، فأصبحت عضوا فيها مذ عام 2005 و من ثم عضواً في الهيئة الادارية.

نادي الخطابة

قبل جمعية الشؤون الدولية كان لميسون العرموطي شراكات طويلة في المجتمع المدني والعمل التطوعي من موقع التجديد والتحفيز والابداع. بينها نادي الخطابة.

تقول: كان ذلك في بداية عام 2000 وبدعوة من ليندا ديزون زوجة السفير الفلبيني في عمّان لحضور اجتماع تأسيسي لنادٍ جديد في الأردن وهو نادي الخطابة الدولية المتعدد الجنسيات والأعمار والخلفيات.

الهدف منه العمل على تطوير الذات والارتقاء بالمهارات اللازمة في مختلف مناحي الحياة، والتعلم واكتساب المعارف، لمواكبة متطلبات العصر شديد التنافسية والذي يعزز الثقة بالنفس للارتقاء بالفرد نحو حياة أفضل.

كما يراد له تحفيز التفكير التحليلي والحوار وتنظيم الحديث والانصات وإيصال الفكرة بأقصر الطرق وأكثرها ايقاعا.

انتخبت كأول رئيسة أردنية لهذا النادي عام 2001، فكان محطة هامة في حياتي. تعلمت منه الكثير وعملت اثناء رئاستي على التواصل مع اندية الخليج العربي والنادي العالمي لإدراج اللغة العربية في أندية الخطابة الدولية حيث كُلفت برئاسة أول لجنة للتعريب.

وكان من ضمن المؤسِسات لنادي الخطابة العزيزة هيفاء البشير التي دأبت تحدثني وتدعوني للانضمام لجمعية الأسرّة البيضاء لرعاية كبار السن فبقيت أحضر اجتماعات وفعاليات الأسرّة البيضاء لعدة سنوات ما جعلني أولي العمل الاجتماعي التطوعي مزيداً من الاهتمام حتى أصبحت عام 2005 عضواً في الجمعية.

وفي عام 2018 انتخبت برئاسة الجمعية بدعم هيفاء البشير فشعرت حينها بِعظم المسؤولية للعمل الاجتماعي التطوعي والذي اعتبره ذراعاً هاماً للحكومة، واعيد انتخابي لهذا العام لفترة ثانية.

هذا النادي يخدم منذ نصف قرن ويؤوي 130 نزيلاً مقيماً معظمهم الأقل حظا منحدري الصحة والمتوحدين فيقوم على خدمتهم 70 موظفا بجو راقٍ ومريح وتحت ادارة حصيفة، لحياة كريمة يستحقونها.

الرواد الكبار

أما الجناح الثاني للجمعية وهو منتدى الرواد الكبار النهاري الثقافي الترفيهي الاجتماعي والذي يقوم برعاية وتسلية كبار السن المقيمين في بيوتهم كي لا يبقى كبير السن وحيداً قابعاً بين جدران البيت بانتظار رحمة ربه.

وبالعودة لنادي الخطابة حيث بدأت سمعة أندية الخطابة الدولية تنتشر في الأواسط الثقافية والدبلوماسية عندنا في الأردن وطلب المعهد الدبلوماسي عدة مرات لترتيب ورشاة عمل وبرامج تدريبية لزوجات الدبلوماسيين الاردنيين وللملحقين الجدد في وزارة الخارجية.

قدمت والزميلات برنامج عمل متكامل لخدمة المجتمع لتدريب 11 ملحقا في الخارجية الاردنية والمعهد الدبلوماسي الأردني وبناء عليه نلت شهادة الخطيب المتميز من النادي العالمي.

أقدار ومصادفات

بالكثير من التسليم الايماني، تستذكر ميسون العرموطي مفارق اساسية في حياتها صنعتها الاقدار التي يستسهل البعض بتسميتها المصادفات تقول:

في بداية الخمسينيات زار الأردن شخص من جمهورية جورجيا اسمه فرسدان بابا طاطش فيلي، وكان قد أحضره أحد المعارف لوالدي أنه غريب الديار ويحتاج لمن يساعده.

سمع أبي حكاية فرسدان. حزن لحكايته وبعد استشارة جدي جهز له بيت الغزال الواقع أسفل بيت الجد بشكل لائق وأسكنه فيه معززاً مكرماً.

رحب أبي بفكرة فرسدان عندما عرض عليه ان يعلمه اللغة الفرنسية فأتقنها وحصل على شهادة من المعهد الفرنسي عام 954.

تكريما لفرسان بما يستحق من تكريم وحتى لا يكون عالة على أحد ساعده أبي وعمل حارسا ليليا في المحطة، وكان يحضره لمنزلنا مرتين في الأسبوع لتقويتي وشقيقتي انتصار باللغة الفرنسية.

علمت من الوالد ان فرسدان كان صحافياً في جورجيا ولأسباب سياسية ترك وطنه هربا للحفاظ على حياته.

مصادفة أخرى من التي تلوّن حياتنا خارج التخطيط:

من عمر التاسعة حتى الخامسة عشرة سافرت برفقة الأهل لمدة ستة سنوات إلى تونس والكويت حيث عمل الوالد سفيراً هناك.

في شهر شباط 1971 عدنا إلى عمان صادفت عودتنا في منتصف العام الدراسي وكانت أحداث السبعين في جبل نزال ما تزال ماثلة للعيان، فضاعت فرصة عودة السكن في حيِّنا حسب رغبة الوالد واشترينا منزل جمال الخطيب في منطقة الشميساني.

نعمة اعادة اكتشاف الحياة

حادث آخر من فصول الاقدار والصدف:

في عام 1993 تعرضتُ لحادث سير كاد يودي بحياتي لولا لطف الله ورعايته.

وبعد عام وهي فترة التعافي تأملت وفكرت واستعرضت شريط حياتي وكأن الحادث أزال غشاوة من أمامي، لأكتشف ان الحياة بجميع تفاصيلها تجعلنا نبحث عن الراحة وعن المعاني التي تريحنا، وحتى أقدّر واستمتع بأبسط الامور والتي نأخذها عادة أشياءً مسلماً بها.

زميلات الدراسة في مختلف مراحلها

ومن اجمل المصادفات وأبهى الاقدار ما يتاح لنا من زمالات الدراسة في مختلف مراحلها، كما تقول ام طارق:

عندما أعود لزمن يزيد نصف قرن مع زميلات صف المرحلة الأولى حينما أستذكرها أبتسم، وكأنني أعاود الرجوع إلى كل ما في تلك المرحلة من براءة وطفولة جميلة، وأوقات فرح ومرح، وربما غضب ومشاكسات، وكلها تبعث البهجة بتفاصيلها.

في راهبات الوردية زاملت منذ صف البستان: فريزة ناصيف، دينا جانبك، زين المجالي، أمل الحاج حسن، مها الطباع. وزميلاتي في المرحلة الثانوية في راهبات الوردية أذكر منهن رندة العودات، نرمين القسوس و جاودة الداوود.

من زميلاتي في االجامعة لأردنية أذكر خلود كرادشة، سوسن بدير، منى بركات، عالية الشلاح، ايمان الكردي. ومن أساتذتي: د. محمد الفالح العميان، د. زياد رمضان، د. نعيم دهمش، د. فؤاد الشيخ سالم، والأستاذ مصطفى الشاويش.

مع الأميرة عالية الحسين

عودة الى المرحلة الابتدائية، فانني استذكر اننا زاملنا الأميرة عالية بنت الحسين في الصف الرابع الابتدائي، أميرة هاشمية في غاية التواضع لا يميزها عن باقي الزميلات الا انها تأتي مع سايق عسكري تضرب له السلام رداً على تحيته لها.

زرت الأميرة عالية في بيت أبيها الملك الحسين بالحُمّر عدة مرات وتناولت واياها الطعام مع الملك والأميرة منى، هذا التواضع والاخلاق والانسانية الذي لمسته وشعرت به عن قرب خلال زياراتي للهاشميين في سن صغيرة هو أخلاق الهاشميين وتواضعهم وانسانيتهم وهذا شيء طبيعي.

كنت والأميرة عالية نستمتع بوقتنا بدهان مجموعة الحيوانات البلاستيكية الصغيرة جلوسا على الأرض، وأحيانا نذهب إلى كراج

السيارات بالحمر لرؤية دبابة صغيرة مهداة من الجيش العربي إلى ولي العهد الأمير عبدالله بن الحسين.

ثلاث هدايا من الفئران

أذكر في أحد الايام وصلت هدايا من الأميرة عالية واحدة لي والثانية لزين المجالي والثالثة لنيڤين طهبوب.

الهدايا التي وصلتنا لم ندرك غرابتها في سننا ففرحنا عندما رأينا قفص خشبي صغير بداخله عدة فئران بيضاء لها ذيل زهري اللون وبعد فترة أصبحت تتوالد كل ستة أسابيع وتأكل معظم أولادها.

سعادتي بهذه الهدية لا توصف الا ان «ختيارات» العائلة وخاصة الجدة استهجنت الأمر وسمعتها تقول: «أنداري هو هيك هدايا الملوك، والله عمري ما حسيت أنه الناس تهدي فيران».

كان أبي وزيرا للداخلية في حكومة بهجت التلهوني وعين سفيرا في تونس وشمال افريقيا بعد أشهر من استقالة حكومة التلهوني، ولأننا سنرافقه حزنت عندما أكدت لي أمي صعوبة حمل الفئران بالطائرة فتركتها عند نبيل البطاينة في إربد، لكن الخالة أم نبيل لم تتحمل وجودها اكثر من شهر وذات يوم في غياب نبيل أطلقتها طعاما لقطط الحارة.

عندما يشاء الله

ومن نعم الله وهو يشاء، تستذكر العرموطي كيف بُني بيتها بالخير. تقول:

في شهر كانون الأول من عام 1972 كنت مرافقة لأهلي لحضور حفل في نادي السيارات الملكي عندما التقيت بزوجي وليد المعاني لأول مرة والذي كان يكمل اختصاصه بجراحة الدماغ والأعصاب في المملكة المتحدة.

كنت في صف التوجيهي ومجتهدة جداً ولم اخطط للزواج لكن حصل النصيب باتفاق مع وليد بمتابعة دراستي الجامعية وأوفى بوعده.

اشكر الله على ان زواجانا ناجحاً، سعيداً ومتوافقاً منسجمين فكريا متفقين في أمور العمل وتربية الأبناء وتعليمهم وبدعمه سجلت حال وصولنا الى انجلترا للدراسة في جامعة لندن في مادة الدستور البريطاني والعربية الكلاسيكية، وبعد أقل من عام انتقلنا إلى مدينة ليستر فتوقفت عن متابعة دراستي.

في لندن أحمل ذكريات رائعة مع زوجي خلال زياراتنا لمناطق كثيرة، فاستمتعنا بالريف البريطاني، وبكل مكان تواجدنا فيه.

لقد اكتسبت خبرات جمى بشهادات علمية ثقافية اجتماعية جمالية تجعل المرء أكثر فهماً للأمور تجاه أمور كثيرة في الحياة.

بعد عام ونصف من زواجنا رزقنا بـ طارق، وكنا قد عدنا إلى مستشفى في لندن متخصص بجراحة الأعصاب في منطقة ويمبلدون تابعاً لسان جورج.

وجدت متسعا من الوقت فاستغليته بمتابعة دراستي وحصلت على شهادة الدبلوم في إدارة المكاتب من كلية بيتمانز.

خلال تلك الفترة ولتميز وليد في عمله في المستشفى الذي يعمل به وما وصل إليه بفضل الله لم يحصل عليه أجنبي من قبل.

كنا مرتاحين وسعداء بعلاقاتنا مع الأطباء والاخصائيين وعائلاتهم والعاملين في المستشفى جميعنا عائلة واحدة، كانت المغريات كبيرة للتقدم في العمل منها الحصول على الجنسية البريطانية، لكن نداء الوطن أقوى فحسمنا الأمر بالعودة ولم نندم أبدا.

بعد عودتنا عام 1977 التحقت بالجامعة الأردنية قسم إدارة الاعمال/ فرعي علم الاجتماع، وكنت حاملا في الشهر السابع بابنتي نور وتخرجت عام 1982 بتقدير جيد.

التحق وليد في مستشفى الجامعة الاردنية وأسس قسم جراحة الدماغ والاعصاب، لمدة أربعة عقود ونيف، وكانت وما زالت صداقتنا مع زملاء زوجي وعائلاتهم موضع فخر واعتزاز.

مضت الأيام بكل تحدياتها، ولقربي من الأهل في عمان سهل لي كثيرا من الأمور خاصة في ظل انشغال زوجي الدائم ولأوقات طويلة.

حصيلة كل جهودنا منة الله علينا بأبناء حفظهم الله الأكبر طارق مواليد 1975 اخصائي انف واذن وحنجرة وأمراض النوم ولديه: جمانة وهيا.

نور مواليد 1977 اخصائية جلدية وتجميل لديها ثلاثة ابناء: جود، حسن وجنى.

تمارا مواليد 1983 تخصص مالية ومصرفية لديها ابنة واحدة جيهان.

خالد مواليد 1988 خريج الجامعة الألمانية إدارة اعمال وله طفل واحد وليد.