بصدور لائحة الاتهام وتبليغها إلى المتهمين في قضية الفتنة، تكون النيابة العامة قد اسدلت الستار على اعمال التحقيق الابتدائي، وانتهاء ولايتها القانونية على تلك القضية، لتبدأ خلال الايام القادمة مرحلة المحاكمة أمام محكمة أمن الدولة.

ان العمل التحقيقي الذي مارسته النيابة العامة تجسدت عناصره في تلك اللائحة، من خلال: بيان الوقائع المسندة للمتهمين ووصفها القانوني، وتحديد مسؤولية كل منهم، واخيراً بيان الادلة المؤيدة للاتهام.

فالعناصر الثلاث سالفة الذكر التي تضمنتها لائحة الاتهام، تؤكد على أن النيابة العامة حسمت الجدل في مسائل عدة:

اولاً: تحديد هوية مرتكبي الجرائم الواردة في لائحة الاتهام، وتحديداً المتهمين: باسم ابراهيم عوض الله، والشريف «عبد الرحمن حسن» حسين آل هاشم.

فلا يمكن لمحكمة أمن الدولة ان توجه الاتهام إلى أي شخص آخر، حتى وان طرأت خلال المحاكمة ادلة جديدة تؤيد اتهامه، التزاماً منها بقاعدة «شخصية الدعوى»، بمعنى عدم الخروج في احكامها عن الاشخاص الوارد اسماؤهم في قرار الاتهام، وذلك بحسب نص المادة (296/1) من قانون اصول المحاكمات الجزائية.

وعليه، فأن الاشارة إلى اتهام اي شخص آخر بأي وسيلة كانت في تلك القضية، يعرض الشخص إلى المساءلة الجزائية، فقرار الاتهام الصادر من النيابة العامة يؤكد ضمنياً انه لا يوجد متهمون آخرون في هذه القضية، ولا يحق لاي جهة كانت ان تنصب نفسها في نيابة عامة وتوجه الاتهام إلى الغير.

ثانياً: تحديد الوقائع المسندة للمتهمين: فالنيابة العامة حددت الوقائع المنسوبة للمتهمين، والمشرع لم يلزمها بآلية معينة لسرد هذه الوقائع، لكن يتوجب ان تكون هذه الوقائع دالة في مضمونها على الجرائم المرتكبة من قبل المتهمين.

ولائحة الاتهام جاءت مستوفية لهذا الشرط، وبينت الوقائع المسندة للمتهمين بلغة قانونية سلسلة، بعيدة عن زخرفة الكلام والتلاعب في المعاني والالفاظ، بحيث ان المطلع على هذه اللائحة يستدل وبصرف النظر عن ملاءته القانونية على مكنون الاتهام والوقائع المظنون ارتكابها من قبل المتهمين.

كما تنبع اهمية تحديد الوقائع في لائحة الاتهام، ومن قبله في قرار الاتهام أن محكمة امن الدولة ملتزمة بالوقائع الواردة في قرار الاتهام، بمعنى اخر لا يجوز لها ان تدين المتهمين بوقائع لم ترد في قرار الاتهام، التزاماً منها بقاعدة » عينية الدعوى»، فقرار الاتهام يمثل خارطة الطريق أمام المحكمة، بحيث لا تحيد في حكمها عن الوقائع الواردة في اللائحة، فاكتشاف المحكمة لوقائع جرمية اخرى ارتكبها المتهمون لا يعطيها الحق بالتصدي لتلك الافعال ومحاكمتهم عنها.

ثالثاً: الوصف القانوني للافعال المسندة للمتهمين، فلائحة الاتهام في قضية «الفتنه» حددت التهم المنسوبة لهم والمتمثلة بـ:

1- التحريض على مناهضة الحكم السياسي القائم في المملكة بالاشتراك خلافاً لاحكام المادة (149/1) من قانون العقوبات بالنسبة للمتهمين.

2- القيام بافعال من شأنها تعريض سلامة المجتمع وامنه للخطر واحداث الفتنه خلافاً لاحكام المادتين (2 و 7/ط) من قانون منع الارهاب بالنسبة للمتهمين.

بالاضافة إلى جنحة حيازة مادة بقصد التعاطي، وجنحة التعاطي بالنسبة للمتهم الشريف «عبد الرحمن حسن».

لكن الاوصاف الجرمية التي اسبغتها النيابة العامة على افعال المتهمين لا تلزم محكمة امن الدولة، والتي تمتلك صلاحية تعديل الوصف القانوني بحسب ما تراه ملائماً وحسن تطبيق القانون على الوقائع المنسوبة للمتهمين.

لكن قيدها المشرع في تعديلها للوصف الجرمي أن يكون في حدود الوقائع المسندة للمتهمين والواردة في قرار الاتهام، كما انه في حال تبني المحكمة لوصف اشد من الوصف الوارد في لائحة الاتهام، فيتوجب ان تعطي المتهم مهلة كافية لتحضير دفاعة عن ذلك الوصف، وذلك سنداً لنص المادة (234) من قانون اصول المحاكمات الجزائية.

وعليه فأن تخطئة النيابة العامة ومجادلتها في الوصف القانوني الواجب انطباقة على افعال المتهمين لا يشكل مخالفة للقانون، ولا يعد خروجاً عنه، فللمحكمة أو الدفاع أو حتى الغير في تحليله للوقائع يمكن ان يتبنى وصفا جرميا اخر ويقدم الاسانيد القانونية التي تؤيد ما يرمي اليه، ودون ان يعرض نفسه للوم او المساءلة القانونية في هذا الصدد.

رابعاً: قائمة البينات، فلائحة الاتهام تضمنت البينات المؤيدة لارتكاب المتهمين للافعال المنسوبة اليهما، فالتجريم لا يمكن ان يتحقق أمام المحكمة إلا بأدلة قانونية تؤيد على سبيل الجزم واليقين ارتكاب المتهمين للوقائع المسندة اليهما.

فلائحة الاتهام وان تضمنت تعداداً للادلة المؤيدة للاتهام، لكن مضمونها تجلى في الوقائع الواردة في لائحة الاتهام، فالتفاصيل الواردة وبحسب تسلسها الدقيق يؤكد ان هناك معلومات ادلى بها احد المتهمين او اعترف بها امام الضابطة العدلية أو المدعي العام، كما ان مضمون المراسلات وان تم سرده في لائحة الاتهام، يؤكد على ان النيابة العامة ارتكزت على ادلة غير تقليدية- بحسب ما نعتقد- تمثلت في اللجوء الى الخبرة الفنية لاثبات واقعة تبادل الرسائل عبر وسائل الاتصال التقليدية او الالكترونية.

لكن حصر بينات النيابة العامة في لائحة الاتهام، لا يعني تقييدها بعدم اضافة اي دليل اخر إلى تلك القائمة، فالمشرع اجاز للنيابة العامة ان تطلب من المحكمة سماع شهادة اي شخص لم يرد ذكره في قائمة البينات بشرط تبليغ المتهم او محاميه بواسطة اشعار باسم الشاهد الذي يراد استدعاؤه.

كما ان محكمة الموضوع، وان كانت ملزمة بالبينات الواردة في قرار الاتهام من حيث الاصل، إلا انها تستطيع استدعاء اي شاهد إذا رأت ان ذلك يساعد في اظهار الحقيقة سنداً لنص المادة (266/1) من قانون اصول المحاكمات الجزائية.

في الختام، تبقى لائحة الاتهام بما تضمنته من وقائع واوصاف جرمية، معبرة عن رأي النيابة العامة بلزوم محاكمة المتهمين عن الجرائم المسندة اليهما، لكن الكلمة الاخيرة ستكون لمحكمة أمن الدولة بالاخذ بتلك التهم وتجريم المتهمين او الحكم ببرائتهما او عدم مسؤوليتهما، فمحكمة أمن الدولة وعلى الرغم من اهتمام الرأي العام بهذه القضية، إلا انها تمتلك من الخبرات والكفاءات القانونية ما يؤهلها للتعامل مع هذا النوع من القضايا ضمن منظومة القانون النافذ وتحت سيادته، واحكامها في هذا الشأن تخضع لرقابة محكمة التمييز التي يمكن لها ان?تنعقد بصفتها محكمة موضوع وليس فقط محكمة قانون.

استاذ القانون الجنائي المشارك

كلية الحقوق/ الجامعة الاردنية