الرأي - رصد

تصدر الحضور التركي قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي انعقدت، الإثنين، في العاصمة البلجيكية بروكسل، فإلى جانب وجود تركيا في صلب المباحثات الجماعية للحلف، عقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سلسلة من القمم الثنائية مع زعماء أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليونان في زخم غير مسبوق في السنوات الأخيرة يؤمل منه أن ينجح في حصر الكثير من الخلافات وتعزيز العلاقات وملفات التعاون بين تركيا والمعسكر الغربي، التي اتُهمت أنقرة في السنوات الأخيرة بالابتعاد عنه تدريجياً بسبب تقاربها مع روسيا.

وتصدرت معظم القمم المباحثات حول مستقبل الحلف ودور تركيا فيه لا سيما إمكانية بقاء الجيش التركي نيابة عنه لحماية مطار كابول عقب انسحاب قوات الناتو من أفغانستان، وملف ليبيا وأزمة شرق المتوسط، والأهم ملف منظومة إس- 400 الدفاعية الروسية المعضلة الأكبر بين أنقرة وواشنطن وباقي دول الحلف بشكل عام في العامين الأخيرين.

القمة مع بايدن

وفي اللقاء الأهم، التقى أردوغان ونظيره الأمريكي جو بايدن لأول مرة منذ وصول الأخير إلى البيت الأبيض، إذ عقد الزعيمان قمة ثنائية لمدة 45 دقيقة قبيل لقاء آخر انضم إليه وفدي البلدين من كبار الوزراء والمستشارين في لقاء بنيت عليه الكثير من الآمال في احتواء الخلافات بين الجانبين والتوصل إلى حلول في بعض الملفات لا سيما إس- 400 وطائرات إف- 35 ودعم واشنطن للوحدات الكردية في سوريا وغيرها الكثير من الملفات الخلافية.

وفي أول تعقيب على القمة، نقل عن الرئيس الأمريكي جو بايدن قوله إن لقاءه مع أردوغان كان “جيداً للغاية”، فيما وصف أردوغان الاجتماع بأنه كان “مثمراً” وجرى الاتفاق خلاله على “أسس وإيجاد حلول لجميع القضايا العالقة والتباينات في وجهات النظر”.

وفي قضية إس- 400 التي تعتبر أبرز ملفات الخلاف على الإطلاق بين البلدين، جرى الحديث عن مقترحات جديدة لحل الأزمة أبرزها ما يتعلق بتخزينها في قاعدة إنجيرلك الجوية التركية التي تتواجد بها القوات الأمريكية، وبيع منظومة باتريوت لتركيا وهو ما قد يمهد لإعادة تركيا لبرنامج طائرات إف- 35، ورفع العديد من العقوبات لفتح صفحة جديدة حقيقية في العلاقات بين البلدين. ورغم أجواء التفاؤل قبيل اللقاء، إلا أن الطرفين لم يؤكدا حتى مساء الإثنين حل هذه المعضلة باستثناء تأكيد أردوغان على أن موقف تركيا من منظومة إس- 400 لم يتغير.

كما ركز اللقاء على الطرح التركي بإمكانية بقاء قواته في أفغانستان عقب انسحاب الناتو من أجل الاستمرار في حماية مطار كابول وهو طرح لاقى قبولاً كبيراً من قبل الحلف إلا أن أنقرة وضعت شروطاً كثيرة تتعلق بتوفير دعم واسع لها في هذه المهمة، حيث يرى مراقبون أن التوافق داخل الحلف على الطرح التركي سوف يساهم في إعادة تعزيز الثقة بين الجانبين بدرجة كبيرة. ورغم تأكيد البيان الختامي لقمة الحلف على الإبقاء على حماية لمطار كابول، لم يتم الإعلان ما إن كانت تركيا بالفعل هي من سيتولى هذه المهمة.

صفحة جديدة مع فرنسا

ولأول مرة منذ تفجرت الخلافات الكبيرة بين البلدين حول ليبيا وشرق المتوسط والإسلاموفوبيا، التقى أردوغان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وجه إليه في وقت سابق انتقادات حادة جداً وصلت حد نصيحته بالتوجه إلى طبيب للأمراض العقلية على خلفية تصريحات ماكرون التي اعتبرت على أنها معادية للإسلام.

وأكدت مصادر تركية أن اللقاء الذي جاء قبيل انطلاق اجتماعات الناتو الرسمية استمر لمدة 52 دقيقة، في حين كتب ماكرون عبر تويتر: “قبيل قمة الناتو، أجريت محادثات طويلة مع الرئيس أردوغان. من أجل الانفتاح والاحترام والطلب”، بينما ذكر قصر الإليزيه أن ماكرون وأردوغان ناقشا ضرورة العمل المشترك لحل المشاكل في سوريا وليبيا، وأن اللقاء “كان مكثفاً وتناول مسائل في العمق”، وأن الزعيمين “أعربا عن نية إحراز تقدم بالنسبة إلى سوريا وليبيا”.

ولفتت مصادر فرنسية إلى أن ماكرون “ذكر بنيته (اجراء) توضيح استراتيجي بين الحلفاء حول القيم والمبادئ والقواعد داخل حلف الأطلسي”، حيث تعتبر العلاقة بين فرنسا وتركيا داخل الناتو من أبرز المشاكل التي تصاعدت في الأشهر الماضية وذلك بعدما اتهمت باريس سفنا حربية تركية باعتراض سفن فرنسية في شرق المتوسط وطالبت باتخاذ إجراءات ضد تركيا داخل الحلف الذي فضل عدم التصعيد آنذاك. ولاحقاً ذكرت مصادر فرنسية أن أردوغان وماكرون بحثا بعمق ملف المرتزقة في ليبيا واتفقا على ضرورة سحبهم في أقرب وقت.

لقاء مع ميركل وميتسوتاكيس

وفي قمة أخرى، التقى أردوغان مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، وأوضحت مصادر تركية أن اللقاء استمر لمدة 30 دقيقة، حيث سعى الرئيس التركي للتأكيد على رغبة بلاده في تحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ودعم الجهود الألمانية في خفض التصعيد بين تركيا واليونان، حيث لعبت برلين طوال الشهور الماضية دور الوساطة لمنع مزيد من التدهور في العلاقات بين أنقرة وأثينا من جانب وبين تركيا والاتحاد الأوروبي من جانب آخر.

وفي لقاء لا يقل أهمية عن سابقيه، اجتمع أردوغان لأكثر من ساعة مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس لأول مرة منذ وصول التصعيد إلى ذروته بين البلدين عام 2020 بسبب الخلافات الكبيرة حول ملف شرق المتوسط والحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة وملف قبرص والمناورات العسكرية التي كادت أن تتحول إلى مواجهة عسكرية كارثية بين البلدين. وفي أول تقييم للقاء تحدثت مصادر غير رسمية عن “أجواء إيجابية” واتفاق أولى على خفض التوتر وعدم العودة إلى الأجواء التي سادت عام 2020.

إشارة لتعاون دفاعي مع بريطانيا

في السياق ذاته، التقى أردوغان برئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في لقاء استمر لمدة 25 دقيقة بحسب المصادر التركية الرسمية. وحضر اللقاء من الجانب التركي العديد من المسؤولين بينهم وزير الخارجية مولود جاوش أوغلو والدفاع خلوصي أقار ورئيس دائرة الاتصال فخر الدين ألطون والمتحدث باسم الرئاسة إبراهيم قالن. وقالت رئاسة الوزراء البريطانية إن أردوغان وجونسون بحثا العلاقات الثنائية وفي مقدمتها التجارة والدفاع.

وإلى جانب التجارة التي تطورت بالفعل بين تركيا وبريطانيا لا سيما عقب التوقيع على اتفاق للتجارة الحرة بين البلدين عقب خروج الأخيرة من الاتحاد الأوروبي، كان من اللافت تأكيد البيان البريطاني على بحث ملف التعاون الدفاعي بين البلدين وذلك في ظل أنباء عن اهتمام بريطاني بالتعاون مع تركيا في ملفات تتعلق بالصناعات الدفاعية يمكن ان تشمل اقتناء لندن المسيرات القتالية التركية في المرحلة المقبلة.

وجاء في بيان رئاسة الوزراء البريطانية: “بحث الزعيمان مكافحة جائحة فيروس كورونا، وسير عمليات التطعيم باللقاحات المضادة للفيروس في كلا البلدين واتفقا على أهمية العمل معا من أجل التغلب على الجائحة، واستئناف رحلات السفر بين تركيا والمملكة المتحدة، كما اتفقا على العمل من أجل تعزيز العلاقات بين البلدين في مجالات عدة، بما فيها التجارة والدفاع”. ولفت البيان إلى أنهما تطرقا أيضاً إلى ملفات تتعلق بسوريا وليبيا وأفغانستان وشرق المتوسط وقبرص.

وفي كلمة وجهها إلى ندوة عقدت على هامش قمة الناتو، قال أردوغان إن بلاده لم تحصل على الدعم المنشود من حلفائها في حربها ضد التنظيمات الإرهابية، معتبراً أن “تركيا تساهم في كافة المبادرات الرامية لتحقيق الاستقرار من العراق إلى أفغانستان ومن القوقاز إلى البلقان ومن البحر الأسود إلى المتوسط وهي الدولة الوحيدة داخل الناتو، التي حاربت داعش وجها لوجه وقدمت شهداء وحيدت نحو 4 آلاف من عناصره الإرهابية”.

وأضاف أردوغان: “نخوض نضالا كبيرا داخل حدود بلادنا وخارجها ضد تنظيمات إرهابية.. الإرهاب أكبر عائق أمام الاستقرار وتركيا تقف بالصفوف الأمامية في مكافحة الإرهاب مع “الناتو” وبقية المحافل الدولية”. وتابع: “رأينا كيف يتم التعامل مع قياديي التنظيمات الإرهابية الذين تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء في سوريا والعراق وتركيا، على أنهم شرعيين”، مشدداً على أن “حدود تركيا الجنوبية تعتبر حدود حلف شمال الأطلسي، وأنقرة تقوم بحماية تلك الحدود انطلاقا من مبدأ حماية حدود الناتو”.

في المقابل، تضمن البيان الختامي للقمة التأكيد على زيادة إسهامات الحلف في التدابير الأمنية من أجل تركيا، واستمرارهم في الالتزام بتنفيذ ذلك بشكل تام، وجدد الزعماء المشاركون تقديرهم لتركيا لاستضافتها ملايين السوريين، وجاء في البيان: “نواصل حالة التيقظ حيال إطلاق الصواريخ التي قد تطال تركيا أو تهددها انطلاقا من سوريا”. ولفت إلى متابعة الحلف وتقييمه لتهديدات الصواريخ الباليستية المنطلقة من سوريا، وهي نقطة مهما طالما اتهمت التركية بالحلف بإهمالها وعدم تقديم الدعم لها في مواجهة التهديدات القادمة من سوريا.