ليست هذه المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يتعرض فيها الأردن لمؤامرة بسبب مواقفه التي لا تحيد عن الحق ولا تتوانى عن دعم القضايا العربية والإسلامية والإنسانية العادلة، فالأردن الذي حارب جيشه العربي في القدس واللطرون وباب الواد وفي عموم الأراضي الفلسطينية وقدم في سبيلها قوافل الشهداء الذين روت دماؤهم الطاهرة الزكية أرض فلسطين لن تردعه المؤامرات كبر حجمها أم صغر، ولن يتخلى عن مبادئه في الدفاع عن الحق ودوره التاريخي في الدفاع عن فلسطين مهما تعددت وتنوعت أشكال وطبائع المتآمرين.

بيد أن هذا الموقف الأردني لم ينتج من فراغ، بل جاء في سياق دور تاريخي مارسه الهاشميون دفاعاً عن فلسطين والمقدسات واستكمله وحافظ عليه بكل عزم وثبات الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، ليؤكد مجدداً صدق وصوابية الموقف الأردني الذي ظل على الدوام ينادي وبشكل واضح بأنه لا بديل عن ضرورة التوصل إلى حل سلمي عادل للقضية الفلسطينية، إضافة إلى رفض كل تجاوزات حكومات الاحتلال الإسرائيلي المتعاقبة، المتعلقة بتغيير الحقائق على الأرض والتعدي على حق الفلسطينيين التاريخي في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على ترا?هم الوطني، على اعتبار أن هذه المحاولات لن تؤدي بالنتيجة إلى تحقيق الاستقرار المنشود وإنما إلى المزيد من الفوضى ومظاهر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

واتساقاً مع هذه الرؤية فقد جاء الموقف الملكي ليبدد حلم نتنياهو بتنفيذ "صفقة القرن" بعد رفضه القاطع لأية محاولات إقليمية أو دولية قد تمس بالقدس أو بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، ومقاومة كل الضغوط ورفض تقديم أية تنازلات تتعلق بوضع القدس أو قضايا مفاوضات الوضع النهائي أو حتى المساس بأي من حقوق الفلسطينيين التاريخية أو تلك الواردة في القرارات أو الاتفاقيات الدولية، أو المتعلقة بحقهم في إقامة دولتهم والعيش بكرامة وسلام.

وفي واقع الأمر، فإن الأردن الذي يعد في نظر مختلف الفاعلين الدوليين دولة معتدلة الطرح ومتسقة مع الإرادة الجمعية للمجتمع الدولي في الدفاع عن القضايا العادلة للأمم والشعوب، ويعد من أهم الدول الداعمة لجهود مكافحة التطرف والإرهاب حيثما وجد، كان على الدوام من السباقين لتنبيه المجتمع الدولي إلى ضرورة إيلاء أهمية قصوى للقضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية في منطقة الشرق الأوسط، وإنه دون التوصل إلى حل عادل وشامل لها لن تتمكن شعوب ولا دول المنطقة من التمتع بالعيش بسلام، ولن تكون طريق التعاون الدولي فيما يتعلق ?مكافحة الإرهاب ممهدة، خاصة وأن استمرار القضية الفلسطينية دون حل سيبقي الباب مفتوحا أمام قوى التطرف لتستخدمها كوسيلة لجلب المزيد من الأنصار بما يشكله ذلك من تهديد لاستقرار المنطقة برمتها.

وفي المحصلة فكما أدت صلابة الموقف الأردني إلى صد هجوم جديد وتفتيت مبادرة مشبوهة أخرى طرحتها القوى الصهيونية المتطرفة رغم كل ما تم ممارسته من ضغوط على الأردن وقيادته بعد استغلال تحيز إدارة ترمب لدولة الاحتلال واستغلال الوضع القائم لإنهاء وتدمير ما تبقى من أمل لدى شعوب المنطقة بتحقيق السلام وحرمان الشعب الفلسطيني من حقة في العيش بكرامة وسلام في دولته المستقلة وعلى ترابه الوطني، فسيبقى موقف الأردن ممثلا بقيادته الهاشمية ثابتا صامداً لا يحيد عن الحق ويدافع بكل ما أوتي من قوة عن فلسطين ومقدساتها.

kshogran@jpf.com.jo