عمان _ الرأي

شَهِد صالون الدكتورة سهام الخفش الثقافي مساء أمس، أمسية أتت على ذاكرة الأردن في ثمانينيات القرن الماضي وما شهده هذا العقد من أحداث رسمت الملامح الشخصية السياسيّة والأدبيّة لضيف الصالون الروائي رمضان الرواشدة الذي توقّف عند محطات نشأته وسيرته العلميّة والأدبية والسياسيّة وصولاً إلى روايته الأخيرة "جنوبي".

وفي الأمسية التي دعت لها رئيسة الصالون والناشطة على الساحة الاردنية الدكتورة سهام الخفّش، تحدّث عن عقد الثمانينيات الذي حفر عميقاً في كينونته بدءاً من الشخصية السياسية التي اشتبكت مع الشخصية الروائية والشعريّة فازدحمت التناقضات إيجاباً في دواخل رمضان الرواشدة الذي ترعرع ساخطاً وصاخباً مدافعاً عن الحريّة التي كان يرى أنه مخلوقٌ لأجل المناداة بها .

تلك ليست البداية كما يقول الرواشدة رداً على المخرج ماهر سلامة الذي أدار اللقاء، بل كانت اهتماماته السياسيّة وبراعمه الأدبية قد نمت أبان الحقبة المدرسية التي كان يدوّن فيها الشعر ويقرأ الكتب التي فجّرت فيه المهتم بمتابعة شؤون الدولة والإقليم والمنصت لمطالب الناس وقضاياهم، فكان يتنقّل بين همّهِ العام وبين أدبيته التي أنتجت في مرحلتها الأولى ديواناً شعرياً أبدى فيه بعض الذين طلب رأيهم، أن الوقت مبكراً لكي يصدر دواوين شعر، لكن رمضان كان يرى خلاف ذلك؛ أن كثيراً من الوقت قد فات وحان وقت إثبات الذات.

ووسط صمت الحضور واستماعهم الدقيق للرواشدة، ذهب بهم إلى معترك آخر في حياته وساحة أخرى مليئة بما يُحب، هي جامعة اليرموك ومعركته النضالية الأولى التي درس فيها الأدب الإنجليزي وكان التائه الذي وجد ضالته ليصبح الناشط الطلّابي المنادي بحقوق الطلبة والمدافع عن حضورهم السياسي والساعي لأن يكون للطلاب حضورهم في القضايا العامة، وبين هذا وذاك وقعت أحداث اليرموك 1983 وكان المشارك الحازم في تلك الإضطرابات والمدافع عن زملائه خصوصاً المفصولين.

وفي الأثناء وسط الملاحقات واعتقال العديد من الطلبة هرب إلى بيت السيدة "أم محمد الكركيّة" والدة أحد زملائه ليسكن في بيتهم أياماً وتقدّم له الطعام والعناية الصحية وجلب الدواء وسط منع التجوّل، لكنه لم يعد يملك المال ففكّر أن يبتعد عن الأنظار ويبحث عن عمل، فكانت الطريق إلى منطقة كفريوبا التي عمِل بها في ظل مشاعر متضاربة ومعاناة اختلاط العمل بالخوف بالهروب بسبب مواقفه وإرادته الصلبة.

كتب الرواشدة محاور روايته الأولى كما يتضح من حديثه، بعد مواكبة مراحل وأحداث عديدة شهدتها الساحة الأردنية واكتسب منها الخبرة، فكانت هذه الرواية وهي "الحمراوي" التي فازت فيها بجائزة نجيب محفوظ، ثم انخرط بالعمل الصحافي الذي تنقّل فيه بين مجموعة من الصحف التي وجد فيها ضالته وهو يكتب ويعبّر عن مواقفه ومطالبه وتسخير قلمه في القضايا الديموقراطية الشعبيّة التي يرى فيها حلمه .

والرواشدة يكتب الأغاني والشعر الصوفي الذي يهرب فيه إلى روحانية يحتاجها كلما زاد سخب الحياة من حوله، ويقول وسط صمت الحضور المعجب بسرده لتاريخٍ شيّق: هاجسي في أعمالي هو في خطين متوازيين هما : الحرية التي كان يتوق لها المواطنون، وفلسطين وعلاقة الأردنيين بها.

وشخصيته تشكّلت كما الذي يحفر بالصخر، فلم تكن طارئة أو نتاج نشاطٍ مفاجئ، بل انتقاله بين الأحداث السياسية في الأردن ومعترك القضية الفلسطينية وإجتياح بيروت وخسائر العرب في فلسطين وارتفاع وتيرة الغضب العربي ثم مكان السكن في الهاشمي الجنوبي وعمل والده العسكري ومرافقة الزملاء والأصدقاء الثائرين على المشهد العام والمطالبين بالحرية والتواقين لتحرير فلسطين ثم عمله الصحفي ومتاعب حرية الرأي والتعبير آنذاك، صقل هذه كلّه شخصيته حد الإكتمال أدبياً وسياسياً وفي عقود قليلة.

وشهدت الأمسية التي ينظمها صالون د. سهام الخفش الثقافي المعروف على الساحة الأردنية، حواراً ونقاشاً واسعاً في العديد من القضايا وصولاً إلى مدى تأثير العمل الرسمي على الإنتاج الأدبي للروائي الرواشدة الذي بل بقي مواكباً على الكتابة والتأليف لأن الرواية التي يحبذ أن يكتبها بحدود مئة صفحة، هي بحسب قوله "متنفس نفسي واللجوء إليها بالكتابة هو الطريق الأفضل في حالات التوتر أو القلق أو الأزمات".

عمل الرواشدة مديراً لعدة مؤسسات إعلامية وأبلى بلاءً حسناً كإداري محترف وإعلامي ناجح استطاع وضع بصمات واضحة في تطويرها وجعلها محلاً للنهوض بالحركة الثقافيّة الأردنية. استطرد الرواشدة في حديثه عن جريدة الرأي وما كانت تعيشه في عصرها الذهبي وصولاً إلى الأسباب التي أدت إلى تراجعها وما تشهده اليوم من حالة لا تصر أي قارئ للرأي فكيف للذي عمل بها صحفياً ورئيساً لمجلسها.

صدر أخيراً رواية جنوبي عن دار الشروق للنشر والتوزيع في عمان، هي الرواية الرابعة له وهي تضج الرواية في ثناياها بالمعاناة وتحمل في طياتها مراجعات لسيرة مثقف وسياسي وأديب ومقاربات اجتماعية تحفر في عمق المجتمع الاردني وقضاياه التنموية والاجتماعية والمعيشية عبر مسيرة نصف قرن من الزمان.

وتقوم الرواية على ذاكرة المؤلف المضغوطة التي تفتحت بعيدا عن التسلية والامتاع، فينتقل فيها الى فضاءات زمانية ومكانية وأحداث حقيقية عايشها الراوي/ المؤلف، وكأنها سيرة ذاتية بأسلوب روائي أدبي .

وفي نهاية الأمسية قدمت الخفش درع الصالون تكريماً للرواشدة الذي شغل العديد من المواقع منها رئيس مجلس ادارة المؤسسة الصحفية الأردنية، ومدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ومدير عام وكالة الأنباء الاردنية (بترا)، وله أعمال عدة منها “الحمراوي” الصادرة عام 1992 والحاصلة على جائزة نجيب محفوظ،، و”اغنية الرعاة” 1998، و”النهر لن يفصلني عنك” عام 2006 ونفذ مسلسلا إذاعيا فاز بجائزة افضل نص وإخراج في مهرجان الاذاعات العربية في تونس عام 2005،اضافة الى مجموعتين قصصيتين: “انتفاضة وقصص أخرى” عام 1989، و”تلك الليلة” عام 1995.