هناك تبسيط رسمي واضح لواقعة الثالث من نيسان الماضي أو ما سميت بـ (الفتنة)، ولست أفهم لماذا تكتسب أحداثاً كبيرة بحجم محاولة تغيير الدستور والتطاول على سلطة الملك اسماً ناعماً وتصبح مجرد (فتنة) يمكن تجاوزها والتعامل بمنتهى الديمقراطية مع المتسببين بها، مع أن ما حدث سابقة في التاريخ الأردني قديمه وحديثه، ففي سنوات النجاة والبناء وما أعقب الاستقلال عانى الأردن من مؤامرات عديدة اشتركت فيها دول ومنظمات وعملاء من الداخل والخارج وكان الهدف منها في كل مرة إسقاط الدولة الأردنية وتركها نهباً للفصائل المتناحرة المدعومة كل من ولي أمره، ولم يحدث أن شهد الأردن ثورة قام بها الأردنيون ضد نظامهم السياسي بهدف إسقاطه، وإنما جرت محاولات مدفوعة من الخارج واعتمدت أساساً على تنظيمات وشخصيات تتبع أحزاباً خارجية وتدين بالولاء لأسوأ الأنظمة الشمولية الحاكمة على الإطلاق، ولذلك فشلت جميع المحاولات ونجا الأردن من مؤامرات الأحزاب المارقة وحافظ على ميثاق العلاقة بين ملوكه وشعبه.

في نيسان الماضي شهدنا (فتنة) مختلفة فهي المرة الأولى التي تضم القائمة شركاء من (عظام الرقبة) ولكن لنفس الأهداف التي دبرت من أجلها محاولات الانقلاب أو الاغتيالات خلال سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وقد فشلت جميعها بالاعتماد إلى عدة عوامل جعلت من إمكانية اختراق الجبهة الداخلية أمراً مستحيلاً أبرزها العلاقة القوية والفريدة بين الملك الحسين رحمه الله والأردنيين على اختلاف أصولهم ومنابتهم، وعدم وجود ثغرة ينفذ منها المتآمرون، ثم قدرة الأجهزة الأمنية وكفاءتها وتمكنها من استشعار الخطر وضبطه في مكمنه قبل وقوعه، ثم حنكة الحسين وحكمته في إدارة جميع الحالات الأمنية التي عصفت بالبلاد قبل أن تتحول إلى فعل ثوري جارف يصعب السيطرة عليه في الوقت المناسب.

الفتنة خيانة عظمى ومع ذلك لم تعلق المشانق لمن تآمر وخطط ودبر، يكفي أنها محاولة فشلت وارتدت الخيانة على أصحابها رغم الثغرة الواسعة المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية المتردية منذ سنوات بفعل الضغوطات الخانقة ولنفس الغاية وهي إنجاح المحاولة الانقلابية بالاعتماد على غضب الناس، لكن النموذج الأردني الهاشمي في العلاقة مع الشعب دائماً ما وفر دروعاً واقية ضد الخيانات ومساعي إثارة الفتن بين ملوك الأردن وشعبه، وهي ذات واقيات الصد التي أبقت الأردن بنظامه الحاكم المتفق عليه وأفشلت كل المؤامرات السابقة التي استهدفت تفكيكه وتسليمه كحل بديل للقضية الفلسطينية، ويشهد التاريخ أنه ما محاولة إنقلاب أو فتنة أو محاولة اغتيال جرت في الأردن بما فيها الفتنة الأخيرة، إلا وكانت لحساب حل القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل وبقصد جعل هذه الأرض وطناً بديلاً ولو بالقوة وهنا يعيدنا التاريخ إلى عامي 1970 – 1971 عندما تكالبت عدة دول وتواطأت مع الفصائل الفلسطينية المنحرفة من أجل تولي السلطة في الأردن وانهاء حكم الهاشميين.

ورغم ألمها وقسوتها جرى التعامل مع فتنة نيسان الماضي حسب التقاليد الأردنية المعروفة وبموجب القوانين والتقاليد القضائية ووصلت بالفعل إلى محكمة أمن الدولة باعتبارها الجهة المختصة، ولسنا نعرف إلى الآن كيف جرى أو سيجري تكييفها قانونياً أهي جريمة أم جناية أم جنحة، وحسب المعايير القضائية المدنية فإن إثارة الفتنة أهون كثيراً من تهمة الخيانة ومحاولة زعزعة استقرار الدولة أو الانقلاب على نظام الحكم وتغيير الدستور، ولا غرابة في أن الإعلام الأردني واجه معضلة تكييف الجريمة ولم يقترب من تسميتها بـ (الانقلاب)، لأنه بكل بساطة ليس في معجم الإعلام الأردني ولم يدخله مصطلح (الانقلاب)، نحن بكل ما في تاريخنا من وضوح لسنا دولة انقلابات ولا ثورات وإنما بلد مستقر فيه الكثير من الغضب لكن فيه الكثير من الوعي بأهمية وضرورة ثبات الحكم.!

«الفتنة» تسمية تقبل التأويل والتفسيرات المختلفة وفي احد تفسيراتها هي (أشد من القتل) لكنها بالمفهوم الأردني للتسامح ليست كذلك ولا تنطبق على ما جرى التخطيط له، فما قصد من المخطط إثارة القلاقل في البلد والبلبلة بين المواطنين في استغلال للظروف الاقتصادية الصعبة التي يعانيها المواطن الأردني بهدف خلخلة النظام والمس بمكانة جلالة الملك وهذه الجريمة بالذات بالنسبة للغالبية العظمى من الأردنيين أشد من القتل، ومع ذلك كله فإن القضية برمتها سواء كانت فتنة أم محاولة انقلاب تحولت إلى القضاء للبت فيها وإصدار الأحكام العادلة بحق المتسببين بها، وهذه بحد ذاتها إحدى ميزات الحكم الهاشمي في بلدنا، فلا أحد يحاكم خارج القضاء ليقطع رأسه أو يزج به في غياهب السجون إلى أن يتعفن هناك، ولو حدث الأمر نفسه في أي بلد آخر لاختلفت الصورة بكاملها، ولربما لم نسمع بحدوث محاولة انقلاب أو فتنة وانتهى الأمر باحكام عسكرية سرية مستعجلة نعرف تماماً كيف انتهت في بلدان عديدة.