عمان - أحمد الطراونة

«يغريني رسم الكلمة بطريقة غير ملموسة، وأنتظر من القارئ أن يكتشفها بطريقته»، هكذا تتوارى الكاتبة بديعة النعيمي بفكرتها في تجاويف النص، تستدرج القارئ ليتورط في وعي الكاتب وينصاع إلى مسارات وعيه.

وترى النعيمي التي تحمل شهادة البكالوريوس في الجيولوجيا، أن هنالك كتابا طارئين على المشهد، لا يحملون أيّ هم غير أن تُدرَج أسماؤهم في قائمة الروائيين، خاصة أن حقل الرواية أصبح أكثر الحقول اتساعا والأكثر شهرة بين الأنواع الأدبية.

وتؤكد النعيمي التي سبق أن أصدرت في الرواية: «فراشات شرانقها الموت» (2018)، و«مزاد علني» (2019)، و«عندما تزهر البنادق» (٢٠٢٠)، أن المطلع على الساحة الثقافية المحلية لا بدّ أن يلاحظ وجود أزمة في تسويق الكتاب وتوزيعه.

الرأي التقت النعيمي حول تجربتها الكتابية، وكان هذا الحوار:

الرواية ذات جغرافيا واسعة؛ لكنها لم تحفر بعمق في أغوار القضية الفلسطينية، هل كان مقصودا أن تتعدد الأسئلة بهذه الطريقة البانورامية؛ أم إنك في هذا التعدد عثرت على العمق المنتظر؟

- الرواية الفلسطينية عموماً لها خصوصيتها، لأن من أهم الأسباب التي أفرزتها اغتصابَ أرض وقتلَ أهل وتشريدَ أصحاب حق وإقصاءهم عن حقوقهم، ولعل هذه من الأسباب التي أدت إلى تميز الرواية الفلسطينية. لذلك دائما ما جاءت تحفر في جذور القضية من خلال طرح التساؤلات والتعددية في الأسئلة دون محاولة الإجابة عليها، ربما للعثور على العمق المنتظر.

تحفل روايتك بالمشهدية والتراصّ في جزء منها كمشاهد تقترب من المشاهد السينمائية ما بين الملموس والمجرّد في الفن. إلى أيهما تميلين نظريّا؟

- يغريني رسم الكلمة بطريقة غير ملموسة، لذلك أنتظر من القارئ أن يكتشفها بطريقته؛ أن يبدأ بإزالة القشرة الخارجية ثم سبر أغوارها وصولاً إلى ما أراده الكاتب، لأنه بهذه الطريقة سيتوصل وحده إلى استخلاص الجوهر.

أرى بأن الكاتب الحذق يجب أن يبتعد عن المحاكاة الساذجة وأن يستبدل البحث عن الحقائق المستترة خلف المعاني بها، لذلك كان الفن التجريدي الذي يعطي الفرصة لتفسير العمل كما يراه كلّ بنظرته الخاصة، هو الفن الذي أميل إليه.

هناك انتقاد كبير يوجَّه للأدب الأردني الحالي فحواه انتشار روايات لا علاقة لها بالأدب وتكاد تغطّي على الأدب الجيد أو الأكثر أدبية؛ في وقت يخطو فيه الأدب العربي بثبات نحو التجديد، كيف تنظرين لهذه المسألة؟

- هناك من يحاول أن يثبت له موطئ قدم في أرض هذا النوع الأدبي (الرواية)، لأنه أصبح الأكثر شهرة بين الأنواع الأدبية، لذلك نجده يبحث عن اسم له بين صفوف الروائيين من غير امتلاك الموهبة الربانية أو حتى قراءة كتاب واحد. إذ إن كتابة الرواية تحتاج إلى تعب وجهد واستمرار الروائي في عملية البحث من خلال القراءة المتأنية والمكثفة، وكل هذا بحاجة إلى صبر كبير وحب لهذا العمل.

لقد أخذت بعض الروايات مسمى «رواية» وهي بعيدة كل البعد عن هذا الفن الأدبي، والسبب غياب الرقابة، فنجد رفوف المكتبات وقد تكدست عليها أشباه الروايات

يبدو القراء الآن كأنهم كثر وفي الوقت نفسهم لا وجود لهم، أقصد هنا قراء الثقافة والأدب. هل الأزمة في التسويق وفي الوصول إليهم حيث كانوا؟

- المطلع على الساحة الثقافية المحلية لا بدّ أن يلاحظ وجود أزمة في التسويق وسوء في توزيع الكتاب. وهنا لا بد أن نسأل: من المسؤول عن هذا التقصير؛ هل هي دور النشر، أم غياب دار وطنية تعنى بتسويق الكتاب، أم إن كثرة الإصدارات لها علاقة بهذه المسألة؟

ماذا يغري في الرواية لتكون موضوعا فلسفياً؟

يصرّح ألبير كامو في كتابه أسطورة سيزيف بأن الروائيين الممتازين العظام هم الروائيون الفلاسفة؛ أي أضداد كتّاب البحوث.

إن الرواية الفلسفية قد تبسط الفلسفة ثقافيا، وقد يُتداوَى بها اجتماعيا. فهي تجعل قراءها يمتلكون الجرأة على إعادة تموضع الفكر وممارسة النقد الذاتي، لأن الرواية الفلسفية بتعدد أصواتها وتياراتها المتناقضة حينا والمتكاملة أحيانا، قادرة على إرباك وضعية القارئ الفكرية حين يضع نفسه في فضائها، وبالتالي يصبح دورها أقرب إلى ترجمة أخلاقية وحياتية تنقل جوهر الفكر من ماهيته النظرية إلى أفقه التطبيقي. لذلك هي مغرية لبعض الروائيين.

روايتك «عندما تزهر البنادق» تحدثت عن مجازر دير ياسين، لماذا اخترت هذا الموضوع على وجه التحديد؟

- لأن ضياع فلسطين هو سبب ضياع الأمة وانقسامها، ومن هنا جاءت فلسطين لتكون المحور الرئيس الذي تدور حوله روايتي، فأنا أحاول من خلال الكتابة تثبيت ما حصل وإثبات الهوية الفلسطينية التي يحاول العدو الصهيوني طمسها بكل ما أوتي من قوة. لهم رواياتهم المكذوبة ولنا رواياتنا الصادقة بأن فلسطين لها أصحاب وأهل أُرغموا على ترك حقوقهم وبيوتهم لكنهم احتفظوا بمفاتيحها معلّقة في صدورهم وأذهانهم.

فكرة الكتابة عن دير ياسين لازمتني وأنا ما زلت أشتغل على روايتي الثانية؛ أولا كي لا تنسى الأجيال ما حصل في دير ياسين من قتل وتشريد، وثانيا من أجل إثبات الحق الفلسطيني في قرية حاول العدو طمس معالمها كما الكثير من القرى الفلسطينية.