عبدالله المتقي

(كاتب مغربي)


"التذكُّر يعاقب النسيان"

حسن نجمي

تعد الطفولة واحدة من مناهل الإبداع الشعري التي اتكأ عليها الشعراء في ديوان الشعر الكوني والعربي، ولا يخرج الشاعر التونسي السيد التوي عن هذا الاتجاه، فقد أنجز نصوصا شعرية لامست ذاكرته الطفولية، في ديوانه "الربيع ليس صدفة" الصادر عن دار ميارة للنشر والتوزيع، مشتملا على أكثر من 100 قصيدة نثرية.

ينتمي السيد التوي إلى جيل تمرَّد على تقاليد كتابة النص الشعري المعاصر، ثم خلق جماليات مغايرة لما هو سائد ومستقر، ليجد لنفسه موقعا في خريطة الشعر التونسي والعربي.

وفي سياق النبش والحفر في الذاكرة الطفولية، يعود بنا الشاعر إلى بواكير طفولته وعوالمها الساحرة، يقول في قصيدته "براءة":

"حين ترتفع ألسنة اللهب

كنت أقفز فوق اللهب

ثم يتطاير أترابي كالفراشات فوقه

كان كل ذلك اختبارا للرجولة

وتدريبا على الطيران".

ها هنا يحضر جمال الصور المفعمة بالحماسة والحيوية، اعتمادا على ما بقي الذاكرة من ظلال مفتوحة على اللعب (أقفز.. يتطاير)، وكذا الحلم الاستباقي بالرجولة (اختبارا للرجولة، تدريبا على الطيران)، لأن في الأعماق طفلا حالما ويتوق الى اللعب.

وعلى طريقة شعراء قصيدة النثر، يستمر السيد التوي حفرياته في مخزونه الطفولي الوجداني والذهني. نقرأ من قصيدة "خوف":

"وأنا طفل كنت أخاف الغول

أصدّق أمي وأبي

أخاف فرس القيلولة التي تخطف الأطفال

حين اشتدّ عودي صرت أخاف عصا المدرس".

المتأمل في هذا المقتطف الشعري سيجد خوفين؛ خوف الطفولة المبكرة التي تمارس تخويفها عبر الغول والفرس، ثم خوف طفولة ثانية تمارس رعبها الذي يجسده العنف المادي (عصا المدرس)، وبذلك يحضر امتلاء الطفولة بالتخويف مع التأكيد على اتساع مساحاته، فالطفل المستعاد يبدو خائفا، ويبدي استعدادا ورضوخا لثقافة الخوف الملقنة من قِبل الكبار (الأب والأم)، عبر تعنّيه ماديا ورمزيا، والتلاعب بعواطفه وبرمجته عبر تشغيل جينات الخوف وإخماد جينات أخرى.

ولم يكتفِ السيد التوي بتصوير أناه الطفولية، بل تعدى ذلك إلى نظرة شملت أطفاله، أو "ورود القلب" بتعبيره، كما هو وارد في الإهداء:

طفلي كان هدية ثمينة

أجول به الغرفة وهو يمتطي ظهري

أقصّ له كل ليلة حكاية عن الأمطار والأشجار

أرسم معه الفصول كما يشتهيها

أعلّمه كيف يكون صديقا للعصافير".

هذا هو الطفل، هدية نفيسة، ومفرد بصيغة الجمع، حقق ما يراود الشاعر من ولادة جديدة لجيل جديد، عبّر عنها الشاعر ببهجات عارمة، وبالمقابل طيّ صفحة الماضي وتصحيح مسار الحياة، كما ينبغي أن تكون برفقة الأطفال، وليس كما كانت في الطفولة البعيدة.

ولعل من بين مميزات قصائد "الربيع ليس صدفة"، إلهابها للمتخيل والصور الشعرية بأشكال السخرية المرحة والهادفة، والسخرية ها هنا تشكل الموضوع لما تعيشه الأنا الشاعرة حقيقةً وصدقا من مفارقات، ومن تعارض طفولة أبناء الحاضر مع ماضي طفولة الأب.

ابني الصغير يعشق (رونالدو(

ابني الاكبر يعشق (ميسي)

يتشاجران كل ليلة

يقتتلان كديكَين تايلنديين مدربين

حين تنطلق مباراة المدريديين والبرشلونيين

أقف على الطاولة

وأصرخ ملء فمي: غارسيا لوركا"

غارسيا لوركا".

والسخرية في هذه القصيدة تتضمن وظيفتين، الأولى جمالية تسمو بالصور الشعرية، أما الثانية فدلالية ولها مناعة قوية لحماية القصيدة من الزيغان والخروج عن النص.

ومجمل القول، "الربيع ليس صدفة" تجربة شعرية تستحضر الرابض في قاع خوابي الطفولة المعتقة، ليس بقصد الحنين، بل تحضر كاختيارات لتشخيص رؤية السيد التوي الخاصة، ومواقفه من طفولة تأبى المحو، يتخذها في اللحظة الراهنة، فنقرأ قصائد كما لو أنها طفولة ثانية. إنها تجربة ينطبق عليها ما كتبه الشاعر عبدالفتاح حمود على الغلاف الأخير: "الشعر لدى السيد التوي ليس موهبة فقط، بل عمل دؤوب وشاق، فن يحتاج إلى تقنية عالية ومهارات مختلفة انتصارا لصرخة (وليام باتلر ييس) في ضرورة أن يتقن الشاعر حرفته، بنفس ما تفعله (وردة مسمومة بالضوء) أو (شمس تتململ في آنيتها)".