هيفاء الشاويش

(كاتبة أردنية مقيمة في نيوزلندا)


أغلقت الهاتف دون أن تترك له مجالا لإنهاء كلامه الذي كان جافا وحادا كعادته، واتجهت نحو خزانتها وأخرجت كل تلك الأوراق الصغيرة التي كانت تحتفظ بها بعناية واتجهت مسرعة بها إلى الخارج.

كان الجو عاصفا وباردا جدا كتلك المشاعر والأحاسيس التي تملكتها في تلك اللحظة، غادرت دون أن تنتعل حذاءها أو ترتدي معطفا فوق فستانها الأبيض الخفيف، أو تتشح بوشاحها المفضل لتقي نفسها قساوة الجو في مثل هذه الفترة من الشتاء.

مضت بخطوات واثقة وسريعة نحو ضفة النهر، حيث اعتادت اللقاء به هناك لشهور عديدة، وكان في نهاية كل لقاء يُخرج من جيبة ورقة صغيرة ويضعها في يدها طالبا منها قراءتها عند العودة إلى المنزل، ولكنها لم تكن تستطيع الانتظار، فكانت دائما تختلس النظر إلى الحروف التي انطوت عليها الورقة على استحياء بمجرد حصولها عليها.

اقتربت أكثر فأكثر، وبدأت تقلب الأوراق بين يديها ودموعها توشك أن تخون اعتدادها بذاتها، وتجلُّدها في ظاهر الحال، إلا أنها تمالكت نفسها وجلست جانب النهر وبدأت تصنع من تلك الأوراق، التي احتضنت كلماته ومشاعره وأحاسيسه ووعوده، زوارق ورقية صغيرة، وأخذت تتركها تنساب فوق الماء الى أن انتهت كل الأوراق التي في جعبتها.

آنذاك، وقفت على قدميها وعادت إلى الوراء قليلا وأخذت ترقب تلك الزوارق وهي تشقّ طريقها فوق صفحة الماء، وتبتعد شيئا فشيئا، كان المشهد مهيبا بالنسبة لها، فمئات الزوارق الورقية تجري فوق الماء أمام عينيها حاملة في طياتها تفاصيل قصة حب انتهت وتلاشت مع غروب شمس ذلك اليوم.

زورق وحيد علِقَ بأحد الأغصان الممتدة فوق سطح الماء، بدا لها وكأنه يجاهد للنجاة والبقاء، مدت يدها والتقطته، عندها لم تقوَ على كبح دموعها التى انهمرت بغزارة حين قرأت ما يحمل هذا الزورق من كلمات: "سأحبك ما حييت".