وانطلقت المسيرة بكل الأسباب التي تدعو للتفاؤل، بداية من وضوح التكليف الذي يشتمل على قوانين جديدة للانتخابات والأحزاب والنظر في تطوير آليات العمل النيابي، وليس إنتهاءً بوجود إطار زمني يستبق موعد انعقاد الدورة العادية المقبلة لمجلس الأمة، بما يعني أن مخرجات اللجنة التي تشكلت برسالة ملكية سامية لدولة سمير الرفاعي ستكون أمراً واقعاً واستحقاقاً وطنياً في المدى المنظور.

التأمل في الأسماء التي اشتملت عليها اللجنة يظهر أنها أتاحت الفرصة لمشاركة الجميع، وقدمت طيفاً واسعاً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكثير من الأعضاء لم يكن أحد يتخيل أنهم يمكن أن يجلسوا على طاولة واحدة من قبل، ومع ذلك، فالواجب الوطني والضمانة الملكية تضع أمام أعضاء هذه اللجنة فرصة تاريخية من أجل صياغة عملية إصلاح سياسي تاريخية تدشن المئوية الثانية للدولة الأردنية بما يليق بجميع منجزات وتضحيات الأردنيين في المئوية السابقة.

الإصلاح يستهدف إحداث تغيير جذري وواسع في منظومة القوانين الناظمة للحياة السياسية، والتغيير ليس غاية في حد ذاته، فالغاية كما أوضحتها الرسالة الملكية تتمثل في الاهتمام بدور الشباب والبحث في السبل الكفيلة لتحفيز مشاركتهم في الحياة الحزبية والبرلمانية، وتمكين المرأة الأردنية من المشاركة الفاعلة، وتعزيز قيم المواطنة، حقوقا وواجبات والحريات المكفولة بالتشريعات، والالتزام التام بمبدأ سيادة القانون، وهو ما يمكن أن يرفد الإصلاح الاقتصادي تجاه التنمية المستدامة، والإصلاح الاجتماعي لتجديد حيوية الدولة الأردنية واستعادة التوازن المرهف لمعادلة التمسك بالأصالة والتجذر في الزمان والمكان مع متطلبات العصر وتحدياته.

إعمالاً لتعزيز الممارسة الديمقراطية يتحدث الملك عن أوراقه النقاشية السبعة التي طرحت خلال الأعوام الماضية، ليس بوصفها إملاءً يحدد توجهات عمل اللجنة بقدر ما تكون نموذجاً استرشادياً، ويعتبرها إسهاماً في رسم خارطة لمستقبل بلدنا وشعبنا، وهذه لفتة تعزز استقلالية اللجنة، وتمنحها الثقة في أعمالها، وتتيح لأعضائها الاجتهاد والتجويد، وتتعزز هذه الروح في ضمان الملك لتبني الحكومة لمخرجات اللجنة دون أي تدخلات أو محاولات للتغيير أو التأثير.

فرصة تاريخية ومسؤولية جسيمة أمام أعضاء اللجنة، ومنهم من يمتلكون رصيداً مشهوداً في العمل العام، وآخرون ممن يحوزون خبرة عريضة في العمل الحزبي، ومنهم من يمثلون أجيال الشباب بحماسهم، والأكاديميون والكتاب والإعلاميون والقانونيون، وتقتضي المسؤولية أن يعملوا على إثراء مناقشات اللجنة من خلال تواصلهم البناء مع أوساطهم المختلفة والتي يجمعها حرصها على الوطن ومستقبله.

تخير الملك دولة سمير الرفاعي ليقود أعمال اللجنة يعكس وعياً بضرورة العمل على إنجاز إصلاح يجعل الأردن الدولة العربية الوحيدة التي تحقق ربيعاً عربياً يستحق ذلك الوصف، فحكومة الرفاعي كانت تستقبل قبل عقد من الزمن أكثر فصول تاريخ المنطقة المعاصر صخباً وإشكالاً، والرئيس الذي واجهت حكومته الموجة العالية لتفاعلات 2011 يمتلك الحافز الكامل نفسياً ووطنياً، ليقبض بكلتا يديه على جمر المسؤولية الكبيرة وأن يعمل على استخلاص جميع دروس المرحلة في مشروع إصلاحي كبير يقدمه للملك وللأردنيين جميعاً.

ستفتتح مخرجات هذه اللجنة المئوية الثانية بما يتناسب من إصلاحات سياسية تكون مقدمة للإصلاحات الأخرى التي ستقود الأردن قدماً، وتعيدها الشوكة التي ترد إلى الشرق الصبا، ولتكلل جهوداً ملكية سامية ومخلصة من أجل مباشرة الضغط من فوق بعد أن أعطيت الفرصة لكل الأردنيين ليضغطوا من طرفهم تجاه الإصلاح الذي ينشدونه في تعبير عن الحكمة الملكية التي أرادته إصلاحاً عميقاً يتقبل شتى الرؤى ومختلف وجهات النظر، إصلاح يختزل ما رآه جلالة الملك وما تلمسه في جولاته الميدانية وفي اجتماعات قصر الحسينية وما تابعه مع الخبراء في مجالاتهم، وما استخلصه من قراءاته للتاريخ وتحولاته ووضعه في أوراقه النقاشية التي تشكل منارة ترشد نخبة من أبناء الوطن الأردني ليسهموا في صناعة المستقبل المنشود.