خالد عزب

صدر عن المكتب العربي للمعارف كتاب للباحث المرموق ايهاب خليفة عن المدن الذكية وهو من الموءلفات العربية القليلة في هذا الموضوع ينطلق ايهاب من انه إذا كان العقلُ وسيلةً للتَّمييز بين الإنسان وغيره من المخلوقات الحيَّة، فإنَّ الذكاء مرحلة أعلى للتَّمييز أيضًا بين الإنسان وغيره من بني البشر، حيث يتضمَّن ذلك القُدرات العقلية المتعلقة بالقُدرة على التحليل والتخطيط وحلِّ المشاكل وبناء الاستنتاجات بطريقة سليمة، وبالتالي لا يمكن أن يكون الإنسان ذكيًّا دون أن يكون عاقلًا أولًا.

ومع التطورات التكنولوجية غير المسبوقة ظهر توجُّه جديد لوصف الآلات والمُعدَّات بالذكاء، فأصبح الذكاء أيضًا سمةً لغير العاقل، ولم يعُد قاصرًا على الإنسان العاقل، وذلك لأن هذه الآلات والمعدات أصبحت قادرة على تنفيذ خطوات البحث العلمي من ملاحظة، وتحليل، واستنتاجات، واتخاذ قرارات، وتنفيذها أيضًا، دون أن يكون لها عقل، فأصبح الذكاء سمةً رئيسية في الحياة البشرية مع اختلاف هويته، وما إذا كانت العقل، أو الخوارزميات، والبرمجيات، وأجهزة الاستشعار، وأجهزة الكمبيوتر.

ومن هنا فان ايهاب خليفة يذكر انه ظهرت مفاهيم مثل الهواتف الذكية، والألات الذكية، والحكومات الذكية، ثم التقنيات ذاتية التفكير مثل الربوتات والسيارات ذاتية القيادة والدرونز(Drones)، ومع زيادة التطور التكنولوجي ظهر اتجاه آخر قائم على فكرة «الحياة الذكية»، تلك الحياة القائمة على مكتسبات الثورة الصناعية الرابعة من نظم الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) وانترنت الأشياء (Internet Of Things) والطَّابعات ثُلاثيَّة الأبعاد (3D Printers) والروبوتات (Robots)، والعُملات المشفرة (Crypto Currencies) والبيانات الضخمة (Big Data)وسلاسل الكتل (Blockchain) والحاسبات الكمومية(Quantum Computers)، فظهر توجُّه آخر أكثر ذكاءً، قائم على إنشاء «مُدُن ذكيَّة» (Smart Cities)

تتميَّز تلك «المدينة الذكية» كما يوضح المؤلف بكونها تعتمد بصورة رئيسية على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لإدارة جميع متطلبات الحياة اليومية فيها، فالمنازل التي يسكنها الأفراد، والبنية التحتية وأنظمة النقل والاتصالات والخدمات الحكومية والتجارية والصناعية وجميع القطاعات بهذه المُدُن تُديرها نظم ذكيَّة تعتمد على الذكاء الصناعي وإنترنت الأشياء لتسيير الحياة بها.

كما يحدث بداخلها أنماط مختلفة من «التفاعلات الذَّكيَّة» بين البشر، وبين البشر والآلات، وبين الآلات وبعضها، ينتج عن هذه التفاعلات مليارات من البيانات المتولدة يوميًّا، والتي يُشار إليها بمفهوم «البيانات العملاقة» (Big Data)، وتكون مُحصِّلة تحليل هذه البيانات قرارات وسياسات تُساعد في تحسين نمط الحياة داخل هذه المدينة الذَّكيَّة().

ونظراً إلى أن ما يقدر بنسبة 70% من سكان العالم سيعيشون في المدن بحلول 2050، وبحلول عام 2025 سيكون عدد المدن التي يعيش بها أكثر من 10 ملايين نسمة في العالم 34 مدينة، أصبحت المدن الذكية التي تتميز بالاستدامة أولوية رئيسية في السياسة العامة لكثير من الدول في جميع أنحاء العالم.

لذا فقد أعلن عديد من الدول الاتجاه نحو إنشاء مُدُن ذكيَّة، فمُقارنةً بـ21 مدينة ذكيَّة عام 2013، من المتوقع أن يصل عدد المُدُن الذَّكيَّة حول العالم عام 2025 إلى 88 مدينة ذكيَّة، منها 32 مدينة في منطقة آسيا والباسيفيك، و31 مدينة في أوروبا، و25 مدينة في القارة الأمريكية()، وذلك حسب تعريف شركة (IHS) لمفهوم المدينة الذَّكيَّة().

فضلاً عن ذلك، هناك بعض مظاهر الحياة الذكية التي باتت منتشرة داخل كافة المجتمعات، المتطورة وغير المتطورة، بصورة تجعل عملية التحول المتكامل نحو مفهوم المدينة الذكية أمراً ليس معقداً، حيث باتت شبكات الانترنت سواء السلكية أو اللاسلكية وبسرعات عالية الجودة في مناطق كثيرة حول العالم، مع انخفاض تكلفة شراء الهواتف الذكية، وجود عدد من المشروعات التي تسعى إلى تقديم الانترنت من الفضاء الخارجي مثل مشروع شركة ستارلينك (Starlink) الذي يسعى لتقديم الانترنت لجميع المستخدمين حول العالم عبر أقمار صناعية صغيرة تدور حول الأرض، وبسرعات فائقة.

يضاف إلى ذلك كما يبين ايهاب خليفة ان انتشار نظم جمع المعلومات وتحليل المعلومات الذكية سواء من خلال أجهزة الاستشعار Sensorsالتي تستقبل البيانات وفق خوارزميات محددة وتقوم بتحليلها، أو من خلال برامج تحليل المصار العلنية المعروفة باسم OSINT والتي تشير اختصاراً إلى Open Source Intelligence، هذا فضلاً عن الانتشار المتزايد لانترنت الأشياء Internet of Thingsوتزايد عدد القطع المتصلة بالانترنت، حيث وصلت عام 2020 إلى أكثر من 20 مليار قطعة، وتبلور مفهوم المنازل الذكية التي يتم إدارتها من خلال الهواتف الذكية.

ومن النماذج المتعددة للمدن الذكية مشروع «المدن الذكية الأوروبية» الذي تم إطلاقه عام 2007 في أوروبا لإنشاء 70 مدينة ذكية، وذلك في إطار مشروع أوروبا 2020 الذي يستهدف تحسين الخدمات وزيادة فرص العمل، وفي يوليو 2014 أعلن رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي نيته بناء 100 «مدينة ذكية» مجهزة بأحدث القدرات التقنية في مختلف أرجاء الهند من إجمالي 4000 مدينة هندية قديمة سيتم تحويلها إلى مدن حديثة يمكنها التنافس مع أي من كبريات المدن حول العالم، ميزانية 15 مليار دولار.

وفي المنطقة العربية تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة نماذج لمدن ذكية، حيث تمثل دبي أحد أهم المدن الذكية الأسرع نمواً في العالم، حيث قامت بإطلاق مبادرة «دبي مدينة ذكية» في أكتوبر 2013، وهي المبادرة التي تتضمن 500 خدمة ذكية، وتم في إطارها تدشين مشروع «سيليكون بارك» على امتداد 150 ألف متر مربع وبتكلفة تُقدر بـ300 مليون دولار، ودشنت أيضا دولة الإمارات مدينة «مصدر» في صحراء أبوظبي، التي تم تصميمها لتكون مدينة ذكية وصديقة للبيئة والتنمية المستدامة.

كما شهدت دول الشمال الإفريقي مبادرات على الصعيد ذاته، حيث أعلنت المملكة المغربية تحويل ست مدن رئيسية (تشمل: الدار البيضاء، والرباط، وطنجة، وفاس، وإفران، ومراكش) إلى مدن ذكية بحلول عام 2026، مع إنشاء عدة مدن ذكية مستدامة تعتمد على طاقة الشمس والرياح،

إلى أن جاءت جائحة فيروس كورونا المستجد أو (Covid-19)، فأصبح نمط «المدن الذكية» أحد الضرورة الملحة لتيسير الحياة البشرية بشكل طبيعي، حيث أدى الانتشار المتسارع لفيروس (كوفيد -19) حول العالم إلى قيام العديد من الدول باتخاذ إجراءات فورية وحاسمة للتعامل مع الوباء العالمي، بهدف تضييق نطاق انتشار الفيروس قدر المستطاع حتى يتم إيجاد المصل اللازم للعلاج، ومن هذه الإجراءات مثلاً عمل حجر صحي احتياطي للأفراد داخل المنازل، وفرض حظر التجوال على بعض المناطق والمدن، ووقف حركة المواصلات العامة، وإغلاق المدارس والجامعات مؤقتا، وتقليل القوى العاملة في المؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة، والعديد من الإجراءات التي تهدف إلى احتواء المرض، وكان نتيجة ذلك أن توقفت معظم مظاهر الحياة اليومية في العديد من الدول حول العالم.

وقد كان البديل الرئيسي والوحيد لتيسير الحياة البشرية اليومية قدر المستطاع، هو الاعتماد على الانترنت والتقنيات التكنولوجية باعتباره الفرصة الوحيدة والآمنة التي تمكن البشر من إدارة شؤون حياتهم بصورة شبه طبيعية، أو ما أُطلق عليه الحياة الطبيعية الجديدة New Normal، التي ستستمر وتصبح الحياة الطبيعية للأفراد Normal Life، فيصبح العادي هو الاعتماد على هذه التقنيات الذكية في إدارة شؤون الحياة اليومية.

فمثلاً، استمر العمل أثناء أزمة كورونا داخل المؤسسات والمصالح الحكومية ولكن «عن بعد»، وذلك من خلال نظم الحكومة الذكية التي تقدم الخدمات للمواطنين عبر الانترنت ويمكن للموظفين القيام بوظائفهم بصورة طبيعية من المنزل، كما استمرت الحكومات أيضاً في عقد اجتماعاتها من خلال نظام الفيديو كونفرس، وتم تنظيم المؤتمرات والقمم الحكومية عن بعد، كما استمرت أيضاً كثير من المدارس والجامعات في تقديم المحتوى العلمي لطلابها من خلال الفيديو كونفرنس، واستمر العمل في الشركات والقطاع الخاص أيضاً عبر التقنيات الرقمية المتنوعة.

وبذلك فإن الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في عملية التحول الرقمي نحو «المدن الذكية» من تيسير الحياة بشكل شبه طبيعي، ليس هذا فحسب، بل أيضاً اعتمدت على التقنيات الذكية -التي استثمرت فيها خلال السنوات الماضية- في محاربة انشار المرض.

فقيدت التعامل بالأوراق النقدية التي يمكن أن تتسبب في نشر الفيروس من شخص لآخر واتجهت إلى الاعتماد على الأموال الرقمية عبر بطاقات الائتمان والبطاقات الإلكترونية، واستخدمت نظم الذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء والروبوتات كبديلاً عن الطواقم البشرية والطبية لتقديم الخدمات الضرورية للمرضى، واعتمدت على البيانات الضخمة ونظم المراقبة الشاملة ونظم التعرف على الوجوه في الكشف المبكر عن الحالات المصابة أو التي يمكن أن تتعرض للإصابة، واستخدمت الدرونز والربوتاتفي عمليات تعقيم الشوارع والمناطق والموبوءة وتوجيه الارشادات للمارة في الشوارع والتأكد من التزامهم بالتعليمات الطبية.

فتحولت الحياة البشرية إلى حياة افتراضية كاملة، أشبه بأفلام الخيال العلمي والواقع الافتراضي مثل Ready player one، حيث يقوم فيها الجميع بمهامه ووظائفه ولكن عبر الانترنت، من العمل للتعليم للتسوق الإلكتروني للترفيه والتواصل الشخصي لجمع المعلومات والاخبار لغيرها من الأنشطة اليومية، بصورة جعلت الحياة البشرية قائمة على مفهوم «المدينة الذكية» سواء كان ذلك بقصد أو دون قصد، فالمدن الذكية باتت ظاهرة قائمة بالفعل.

ومن هنا جاءت أهمية إعداد هذا الكتاب–الذي هو في الأصل جزءً من رسالة الدكتوراة التي حصل عليها المؤلف بتقدير ممتاز من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة- لكي يساهم في توضيح المقصود بـ «المدينة الذَّكيَّة"؛ خاصة مع توجه الدولة المصرية لبناء هذا النمط من المدن مؤخراً، بما يساعد المهتمين بهذا الشأن، سواء كانوا صُنَّاع قرار، أو شركات تكنولوجية، أو حتى أفرادًا عاديين مُقيمين في هذه المُدُن، في الاستفادة من مميزاتها وتجنُّب آثارها السلبية، فالمُدُن الذَّكيَّة هي الشكل القادم من المُدُن، ويُعوِّل عليها كثير من الدول في سياستها التنموية.

ويركز هذا الكتاب على «سنغافورة» كحالة دراسة، فمن ناحية تستحوذ على مرتبة متقدمة جدًّا في تصنيف المُدُن الذَّكيَّة بصورة سنوية ()، كما أنها تمتلك برنامجًا لتحويل الدولة كلها إلى ذكيَّة، بحيث تُصبح سنغافورة أول دولة ذكيَّة في العالم، حيث أطلق رئيس الوزراء لي هسين لونج برنامج مبادرة «أُمَّة ذكيَّة» Smart Nation في نوفمبر2014()، وبالطبع، سيكون لهذا التحول أثر كبير على الأمن القومي لسنغافورة، وفي الوقت نفسه تغطي تلك الفترة الخطة الخمسية للدولة للأمن القومي السيبراني، كجزء من الخطة الرئيسية للأمن القومي السيبراني 2018 «National Cyber Security Masterplan 2018»، التي أطلقتها الحكومة لمواجهة التهديدات التي تتعرَّض لها سنغافورة عبر الفضاء السيبراني.