غزة ـ وكالات

طوى الشاب الفلسطيني من قطاع غزة، محمد الهندي، سنوات شبابه عاماً تلو الآخر في انتظار يوم زفافه، كحال أي شابّ تجاوز الثلاثين، وينشد استقراراً اجتماعياً وتكوين بيت يحتضن عائلته الوليدة.

بشقّ النفس، بنى «محمد» منزله المستقبلي في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وخطط لتجهيزه برفقة شريكة حياته «هديل عرفة» التي عقد قرانه عليها بداية شهر رمضان الماضي، تمهيداً لحفل الزفاف الذي كان مقرراً بعد عيد الفطر.

لكن آلة الحرب الإسرائيلية، تأبى ـ كعادتها ـ إلا أن تقض مضاجع الفلسطينيين وتسلب أحلامهم البسيطة، لتخطف العروس من عريسها، وتهدم «عشّ الزوجية» المنتظر.

فقدَ محمد خطيبته «هديل» التي استشهدت ووالدتها «ميامي عرفة» (48 عاماً) إثر قصف إسرائيلي استهدف منزلها في خانيونس جنوبي القطاع، خلال العدوان الأخير على غزة، بتاريخ 12 مايو/ أيار الماضي.

ومما زاد الطين بلة، استهداف الجيش الإسرائيلي للبناية السكنية التي يقطن فيها محمد وعائلته، بعد مرور أسبوع فقط، لتُدمّر البناية بشكل كامل بما فيها شقته التي خطط للسكن فيها برفقة زوجته المستقبلية.

صدمات متتالية

حفل الزفاف المُنتظر كان مقرراً 16 مايو/ أيار، ولكنه أُلغي قسراً بفعل العدوان الإسرائيلي.

ظنّت العائلة أن في إمكانها إقامة حفل الزفاف بعد انتهاء العدوان، لكن «همجية الاحتلال وتعطّشه للدماء» كما قال شقيق العريس أشرف الهندي، تسببا في طمس الفرحة إلى الأبد. ويضيف: «إن العدوان الإسرائيلي شكّل صوراً مختلفة للمأساة التي يعيشها الفلسطينيون في غزة «حتّى حفل الزفاف لم يكتمل.. وملابس العُرس لم يلبسها أحد».

وتابع: «فرحةٌ غامرة، وحلم العروس بارتداء فستانها الأبيض، ودخول قفص الزوجية، كل ذلك ضاع في غمضة عين».

ويضيف أشرف، أن العروس «هديل» كانت تنتظر حفل زفافها بفارغ الصبر بعد أن أنهت تجهيزاته كافة، فلم تبقَ إلا أيام معدودات، لكن صواريخ الاحتلال الإسرائيلي كانت أسرع مما توقعَت.

ويصف حال شقيقه «محمد» حين ورده خبر استشهاد عروسه، نزل الخبرعلى قلبه «كالصاعقة» التي لم يكن ليتعافى منها، حتى نزلت عليه الأخرى، في غضون أيام، بتدمير منزل عائلته بما فيه شقته التي لم يسكنها بعد.

«كانت تلك اللحظات، التي ستلازمنا آثارها طويلاً، صعبة جداً» يقول أشرف.

وأضاف: «تحوّل كل شيء إلى رماد، وطغت رائحة الموت والبارود، وتعالت الصرخات بفعل القصف».

لحظة الاستهداف

يروي أشرف لحظات الرعب التي تملّكت عائلته حين استهدف منزلها من قبل الطيران الإسرائيلي.

وأردف: «سمعنا أصوات صراخ في الخارج، وحالة هلع في صفوف الجيران، ليأتينا الخبر من أحدهم، بورود اتصال من مخابرات الاحتلال ينذر بقصف منزلنا».

«سيطر الخوف والرعب على شعور جميع من في المنزل، المكون من أربعة طوابق، ولا سيما الأطفال والنساء» يُكمل أشرف.

وأوضح أنهم جميعاً هرعوا خارج المنزل دون أن يسعفهم الوقت لإخلاء مقتنياتهم، وبالكاد نجوا بحياتهم وبما عليهم من ملابس، فما هي إلا دقائق معدودة حتى باغتهم القصف الإسرائيلي، ودمر المنزل بالكامل.

ويقول أشرف بحُرقة شديدة: «بناء هذا البيت كان بمثابة حلم عائلتنا منذ سنين، فمصدر دخلنا قليل، وقد حرمنا أنفسنا من الطعام ومستلزمات الحياة كي نوفر ثمن بنائه، ولم نكد نستقر فيه سوى عام واحد، حتى أحالته إسرائيل إلى كومة ركام».

قتل الفرح

وخلال السنوات الماضية، اجتهد العريس المكلوم «محمد» في توفير المال عن طريق الاستدانة والاقتراض ليتمكن من تجهيز شقته؛ وذلك بسبب حالة الفقر الشديد التي يعيشها.

وقد أتم الشاب تجهيز شقته مطلع مايو/أيارالماضي، مُنتظراً – بلهفة – حفل زفافه على عروسه؛ ليبني أسرة مستقرة يكتنفها الحب والألفة. لكن، وبعد «الجريمة» الإسرائيلية، تحوّلت لحظات السعادة والخطط الممتلئة بالفرح، إلى «مأساة ومأتم».

وأضاف: «انتهى كل شيء، فقد حرم الاحتلال الإسرائيلي أخي من الفرحة التي كان ينتظرها كأي شاب يسعى لتكوين نفسه وبناء أسرته».

وتابع مستهجناً: «لا أعلم ماذا فعل محمد كي يُعاقب بهذه الطريقة.. هل شعوب العالم راضية عما تفعله آلة الحرب الإسرائيلية؟! يجب أن نشعر بالأمان.. ويتوقف كل ذلك».

محمد، الذي كان من المقرر أن يعيش هذا الشهر أجمل أيام حياته، يعاني حالياً من حالة نفسية مأساوية جرّاء قتل عروسه وتدمير شقته، وفق شقيقه.

وقال أشرف: «قتل الاحتلال حلم عائلة لم تنشأ بعد، ودمّر ذكرياتنا داخل منزلنا الكبير، ونحن الآن مشتتون لا نعرف أين نذهب». وختم بالقول: «لقد أعادونا لنقطة الصفر مع تراكم ديون بناء البيت.. التي لم ننتهِ بعد من تسديدها».

وختم بالقول «لقد أعادونا لنقطة الصفر مع تراكم ديون بناء البيت.. التي لم ننتهِ بعد من تسديدها».