عمان - فرح العلان

في سياق احتفال الأردنيين بمرور مئة عام على تأسيس أولى البنى الإدارية والسياسية والثقافية في مشروع دولتهم الحديثة، تحتفي $ برموز الإبداع والوعي الذين أضاءوا بقناديلهم دروب المسيرة، وأسهموا بنتاجاتهم في صياغة الوجدان، ودوّنوا بإبداعهم على صفحة هذا الوطن سيرته وسرديته.

وتقدم هذه الزاوية على مدار العام تعريفا بشخصيات إبداعية تركت منجزاتُها بصمات واضحة في التاريخ الحديث.

هو شاعر الاردن، وفلسطين، والعروبة، والثورة العربية الكبرى، والوام بين الأديان، الذي جسّدت قصائده حب الوطن والولاء والانتماء لأرضه وشعبه؛ آمن بمبادئ الثورة العربية الكبرى. ونادى في قصائده بقيم الوئام بين الأديان في خدمة وحدة الصف وتحقيق السلام والأمن العالميين.

إنه الشاعر والأديب والإعلامي الأردني الراحل سليمان إبراهيم المشيني (1928–2018) الذي يعد من أهم شعراء الأردن وقد واكب المئوية الأولى للدولة الأردنية منذ نشأتها تقريباً.

لُقب سليمان المشيني بعاشق الأردن لما امتلكته إبداعاته من أحاسيس ومشاعر صادقة في الفخر والاعتزاز بالوطن وقدسيته، مثلما أظهرت تمسّكه بفلسطين ومناداته بالوحدة العربية، فهو لم يترك مدينة أردنية إلا وكتب فيها شعراً، كما لم ينسَ أن يخلد في قصائده الشهيد والعامل والفلاح والطالب والراعي والمرأة والطفل وسائر مكونات الأردن الطبيعة.

وُلِد المشيني في مدينة السّلط، وتلقّى تعليمه الابتدائي ثم الثانوي فيها، حيث تخرّج من مدرسة السلط الثانوية عام 1946.

استمرت مسيرة العطاء للمشيني بما يزيد على ثمانية عقود، فقد كان من أهم مؤسسي الإذاعة الأردنية وتدرّج في المناصب إلى أن أصبح مديراً عاماً للإذاعة سنة 1985، كما عمل في تأسيس صحيفة $ واتّحاد الكُتّاب والأدباء الأردنيين وغيرها من الهيئات الثقافية.

ما يميِّز المشّيني أنه عاصر أربعة ملوك هاشميّين، هم الملك عبد الله الأول الذي أسبغ عليه وسام الخَطابة، والملك طلال بن عبد الله، والملك الحسين بن طلال، طيّب الله ثراهم، والملك عبد الله الثاني حفظه الله. وكرّموه بمجموعة من الأوسمة الملكية الرفيعة وهي «وسام الحسين للعطاء المميّز من الدرجة الأولى، و«أوسمة الاستقلال من الدرجات الثانية والثالثة والرابعة»، و«وسام الحسين للتفوُّق من الفئة الأولى». وحينما زار الملك عبد الله الأول مدينة السلط عام 1949، أتيح للشاعر سليمان المشيني أن يلقي بين يديه قصيدة نالت إعجابه واستحسانه، فقال الملك عندها: «أنتَ شاعرنا يا مشّيني، ولكَ مستقبل في دنيا الشعر، فلا تقعد عن ممارسته وطلبه وإبداعه، والشعر موهبة وثقافة». وتجدر الإشارة هنا إلى أن الملك المؤسس كان شاعراً كبيراً ولم يكن يعجَب إلا بالشعر الأصيل.

أطلق عليه الأديب عيسى الناعوري لقب «عاشق الأردن»، وقيل عنه إنه شاعر المجد والتاريخ إشارةً إلى الأوبريت المغناة «أنا الأردن» المشهورة التي صاغها من وجدانه وحبّه الشديد للأردن.

كانت الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي مرحلة تميزت بجزالة المعاني وصدق الكلمات وقدرتها على التعبير عن مشاعر الشعب وهم يلتفّون حول الراية ويدافعون عن الحمى.. ففي تلك الأيام كانت القصائد التي صاغها المشيني، أحد أهم أركان البناء المعنوي للجنود والطلبة والأمهات والحصّادين، فقد كان الجميع يردّدون بِحُبٍّ وزهو لا مثيل لهما كلمات «أنا الأردن»، و«فدوى لعيونك يا أردن» و«لَن نادى الحق لبينا ولَفينا» و«حِنا أسود الأردن» و«أردنية أردنية» و«ربع الكفاف الحمر» و «وطني الأردن أعمرُهُ، و«هذه أرضي وهذا بلدي» و«أردن يا أحلى الأوطان» و«موطني أرض الرجال» وغيرها الكثير من الأهازيج الحماسية.

تنوعت كتابات المشيني المولود في السلط عام 1928، بين الرواية والقصة والمقامة والنصوص المسرحية والدراما الاذاعية والقصائد المغنَاة والأوبيرتات والاسكتشات والأهازيج.

وكان أول مؤسّسي برامج التوجيه المعنوي في إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، حيث أعدّ وقدّم على مدار ثلاثين عاماً البرنامج اليومي «جيشنا العربي»، وغنّى له كبار المطربين والمطربات العرب والأردنيين، وله أكثر من ألفي برنامج إذاعي وأكثر من ثلاثمئة اسكتش وأوبريت وأهزوجة وأغنية وألف حلقة من برنامج إذاعي بعنوان «صبا من الاندلس» وأكثر من خمسين مسلسلا إذاعياً.

أما دوره في إبراز الهوية الأردنية وتاريخ الأردن ومنجزاته الحضارية، فقد تمثّل في تغنّيه بالأردن وترابه وشعبه وبأسه وتضحياته وتمجيده حضارةً وآثاراً وبطولةً وطبيعةً وذلك في قصائده التي شملت تاريخ الأردن بالتفصيل وآثاره التي عاصرت الأزمنة ووصف كل مدنه وقراه وتخليد شخصيّاته الوطنية، وكذلك في سلسلة مقالاته الصحفية بعنوان «نحو البناء» التي قدّم فيها النّصح والإرشاد في شتّى ميادين الحياة.

كان المشيني غزير الإنتاج في الشعر الوطني، وجمع نظمه في المجلّد الأول من «ديوان الأردن»، وسلسلة دواوين بعنوان «صبا من الأردن» بأجزائه الأحد عشر، ومن بين عناوينها: «الأردن جلال وجمال»، و«بطاقة حُب إلى فلسطين الخالدة»، و«العيون السّاهرة» و«يا حياة المجد عودي»، والإخوانيات. وله روايتان هما «سبيل الخلاص» و«زاهي وعنود»، ومجموعة من القصص في كتاب «موعد في القدس» و«مع العبقريات»، و«نافذة على الأدب العالمي»، وله أيضاً ثلاث مسرحيات: «عودة قراقوش»، و«بطل من أوراس» و«أميرة جرش». وبرع أيضاً في أدب المقامات والنثر والصحافة، حيث كتب المئات من المقالات في الصحف الأردنية والعربية. وللشاعر باع في مجال أدب الأطفال والفتيان الشعريّ. وترك العديد من المخطوطات.

كتب عنه عدد من كبار الأدباء والشعراء وتناولوا أدبه وشعره بالتحليل. وذلك في دراسة موسّعة ضمّها كتاب بعنوان «سليمان إبراهيم المشيني.. شاعراً، وأديباً وإنساناً» من تأليف د.أسامة يوسف شهاب، وفي «قاموس أعلام الفكر والأدب في الأردن» للأديب المؤرّح محمد أبو صوفة، كما أقيمت حلقة دراسية عن شعره وأدبه.

بعد إحالته إلى التّقاعد قام مع نخبة من الأدباء بتأسيس اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين، وكان عضواً في الهيئة الإدارية لدورات عديدة. كما عمل رئيساً لمستشاري مجلة الكاتب الأردني، ومدير تحرير مجلة الشرطة التابعة للأمن العام، ورئيساً لنادي السلط الرياضي الثقافي.

بعد رحيله في العام 2018، رثته وزارة الثقافة الأردنية في حفل تأبينٍ مَهيب كما رثاه العديد من كبار الشعراء والأدباء الكبار، وقد شُيِّع إلى مثواه الأخير على أنغام أهزوجته المشهورة «فدوى لعيونك يا أردن».