دخلت إسرائيل «أوسلو» لتجد حلاً معقول التكلفة لهوسها الأمني، فهي كما يصرح قادتها مراراً لا تريد قيام دولة فلسطينية على حدود ٦٧، ما تريده هو هيكل إداري قريب لفكرة البلديات، منزوع السيادة والسلاح ومعتمد عليها اقتصادياً وينسق معها أمنياً، يوفر عليها جهد إدارة شؤون التجمعات السكانية الفلسطينية ويضمن بقاءها تحت السيطرة.
ووقع عرفات على «أوسلو»، ليعود من منفاه في تونس، ويكون قريباً لمسرح الأحداث من جديد، مستفيداً من زخم الانتفاضة الفلسطينية، لكنه لم يكن يسعى لبناء دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وراهن على الزمن والديمغرافيا لتحقيق المزيد.
الواقع بكل تجلياته على الأرض، يؤكد استحالة حل الدولتين، فلا إسرائيل التي لمحت تكراراً، وأفصحت أحياناً بنيتها بضم الضفة الغربية (يهودا والسامرة) كما يحلو لها تسميتها لإسقاط بعد تاريخي يبرر نواياها وجثوم حوالي نصف مليون مستوطن على أرض الضفة، وتحويل مدنها وقراها إلى واحات معزولة عن بعضها وتفتيت نسيج المجتمع الفلسطيني، ولا «السلطة» في رام الله تمتلك الثقل أو الشرعية أو الأدوات اللازمة لقيام الدولة، ناهيك عن محدودية قدرتها على التأثير إيجاباً على حياة الفلسطينيين ومد يد العون لهم في ظل تزايد ضغوطات الاستيطان وا?جائحة الصحية والاقتصادية، إضافة لانقسامات البيت الفلسطيني الداخلية، هذا كله أفسح المجال أمام أهل القدس وعرب فلسطين التاريخية للحركة والتصدي والضغط لتغيير الأمر الواقع.
ما جرى ويجري من تغطية صحفية مجتمعية تستغل أدوات الانتشار الواسع والفوري التي وفرتها مواقع التواصل الاجتماعي لإيصال صوت أهلنا في القدس وحي الشيخ جراح وسلوان وبطن الهوى في الأيام الأخيرة، بدء عملية خلق سردية فلسطينية تقص حكاية إنسان وأرض وتاريخ وتراث قاومها الاحتلال كثيراً، وما حدث قبلها في انتخابات الكنيست خلال العامين الماضيين وفصول تشكيل حكومة التغيير وتحييد نتانياهو سياسياً، غير قواعد اللعبة السياسية، فمركز الثقل الفلسطيني انتقل من رام الله إلى أهل القدس، وحرفة صناعة الملوك في إسرائيل انتقلت إلى عرب الدا?ل حقيقة، قاطعة ما كان سابقاً يعتبر خطوطاً حمراء في السياسة الإسرائيلية، فنتانياهو نفسه من أدخل العرب إلى معادلات صنع الحكومات بيديه وشرعن الورقة التي استفاد منها تكتل أحزاب الوسط واليسار و«اليمين المنشق عن الليكود» الإسرائيلية للنجاح في تشكيل الحكومة.
ما يلوح في الأفق هو حل الدولة الواحدة ولو مؤقتاً، إذ لم تعد تل أبيب تستطيع التشويش على الأصوات التي تصفها بدولة الفصل العنصري، فممارساتها تنتقل إلى ارجاء المعمورة بالصوت والصورة، وعرب الداخل ينتقلون اليوم من مقاعد المعارضة إلى الحكومة، و«حماس» تهدد مسلمات نظرية الأمن الإسرائيلية بقوة، وفكرة الدولة اليهودية الخالصة تبدو تكريسا لغطرسة قادمة من عالم آخر في مقابل أنسنة يمارسها الفلسطينيون اليوم لقضيتهم أمام العالم كله.
على عمان أن تستشعر هذه التغيرات وتتكيف معها بسرعة، وتقدم الدعم القانوني والفني والسياسي لأهل القدس، وتؤكد على دور الوصاية الهاشمية على الحرم القدسي، وتستفيد من ضغط الفلسطينيين على الأرض لترسيخ الدور الأردني في الضفة الغربية والقدس، كذلك عليها فتح قنواتها على عرب الداخل لتتمكن من الالتفاف على الضغوطات وتصدير الأزمات وخلط الأوراق.
Saifalrawashdeh0@gmail.com
السردية الفلسطينية الجديدة
11:55 7-6-2021
آخر تعديل :
الاثنين