أبواب - وليد سليمان

يُعد الفنان صالح أبو شندي من أكثر الفنانين الأردنيين وفاء لتجسيد المكان بتجلياته الجمالية والتراثية. وقد احتل ذلك مساحة واسعة في تجربته الفنية التشكيلية الوفيرة منذ مطلع منذ السبعينيات وحتى يومنا هذا.

حيث جعل من لوحات الخط السريع أو السكتش الخطي الحبري أو بمائيات اللون الأسود أسلوبه الشخصي المتميز في تصوير (المكان الأردني) في المدن والقرى والأرياف والصحراء، وكذلك (أزقة عمان وعماراتها القديمة).

فقد رصد جمالياتها بأيقونات متينة الحبكة والتشكيل. حيث حملت أعمال الفنان أبو شندي التي تناولت المكان تجربة غنية تشير إلى امتلاكه مفتاح المعمار والمكان العربي كقيمة جمالية- وما سبق هذا ما أشار إليه الناقدان التشكيليان محمد أبوزريق وأحمد الكواملة .

وكان الفنان صالح أبو شندي قد أشار بقوله:

- أنا ارسم لأنني يجب ان ارسم لأن الانسان الفنان من الضروري ان يعبر عما يشعر به وعما يحيط به, والفنان يرسم ويبدع ويهدف الى البُعد الجمالي، ولكن ما هو موضوعه؟! هل هو موضوع وطني أو سياسي أو اقتصادي أو رؤيا او موضوع فنتازي، فالفنان لا يُجبر نفسه على موضوع معين، لكنه يخرج تلقائيا حسب حالته النفسية وحسب مقدرته في بعض الاماكن وحسب الظروف التي يتعرض لها.

• اللون الأبيض كالشمعة

واللون الأسود ليس له قيمة بدون اللون الابيض. فاللون الابيض مهم كما الشمعة التي لا يستطيع ظلام العالم كله ان يطفئ شمعة.

وعندما زارت (أبواب - الرأي) مرسم الفنان صالح ابو شندي " في منزله قبل نحو أسبوعين " فقد شاهدنا هذا العدد الكبير من لوحاته التي نفذها بلون الحبر الأسود على المساحات البيضاء لعدد من وجوه عمان وهي لشخصيات شهيرة كل في مجالها – بأسلوبه الفني السريع الأشبه بالإسكتشات, وكانت تحمل العناوين التالية كما أسماها هو:

• وجوه من عمان

- صهيب بني نويهض, مجبر للكسور وخبير حجامة وخبير الكي والطب الشعبي ومُطهِّر أولاد وبائع وصفات طبية.

- مهاوش ابو عزام، ميكانيكي تراكتورات وآلات زراعية وادوات فلاحة وبائع فؤوس ومناجل وطواري وكريكات وقفف وغرابيل.

- درويش ابو شام، صاحب طريقة له اتباع مع طبول واعلام ودفوف وموسيقى شعبية (دراويش) في المناسبات الدينية والاحتفالات افراح واتراح وله طقوس غريبة عند الخسوف والكسوف والزلازل.

- هويمل الدوايمة، شيخ عرب مختار وقاضي شرعي.

- رعد ابو نبوت، شيخ شباب صانع شباري وخناجر وضارب طبل مع الدراويش في الافراح والمناسبات الدينية والوطنية.

- المدعي نابليون، كان مجذوب عقله خفيف.

أ- أبو شام، بياع بزورات ومستلزمات زراعة، شارع بسمان قرب سينما بسمان.

- علياء بني حسن، ملهمة الشعراء وعروس احلامهم، فارسة ومبارزة بالسيف.

- حورية بني صخر، مديرة مدرسة حكومية.

- لميس ابو ميرزا، مدرسة موسيقى في مدرسة ارسالية جبل عمان.

- غادة نويران، مغنية موالد نبوية، ضاربة دف في حفلات الزواج.

- زهراب بربريان، مصور على درجة عالية من الشهرة، في ساحة فيصل بعمان.

• برج المستقبل ومجمع الابتكارات

وكانت هناك العديد من اللوحات المعمارية لعمان المتخيلة – أي تلك المشارع العمرانية المدنية التي كان من المتأمل قيامها مستقبلاً .. فقد سبق للفنان أبي شندي ان قام برسمها قبل بروزها للوجودالحقيقي - والتي أصبحت كأنها من الأحلام- ومن تلك مثلاً:

برج المستقبل، ومجمع الابتكارات والاختراعات الاردنية, ومقر بناة المستقبل والاعمال الريادية, منارة ليزر تشرف على كل الاردن, وساعة كبيرة كقبة سماوية، ومتحف الحضارة ومتحف الحياة الطبيعية، ومتحف تاريخ الاردن، وبانوراما الحرب على الكلام، ومعجم عمان قبل آلاف السنين, والقاطرة الكهرومغناطيسية بدلاً من الباص السريع, وقاطرة هوائية مابين جبل القلعة وجبل الجوفة,والجسر المعلق بين جبلي الاشرفيةوجبل عمان, وسد بحيرة عبدون, وأبراج لكلٍ من البراءة والاختراع والتقد والثقافة والحضارة والتكنولوجيا, وأخيراً كاونتر المتاحف.

• محطات في حياة الفنان

والفنان التشكيلي صالح خليل أبو شندي هو من مواليد عام 1938. بداياته الفنية منذ نعومة اظفاره كانت على شاطئ البحر في يافا والحياة بقربه منذ شروق وغروب الشمس، حيث اصطياده مع الفتيان الصغار للسمك بطريقتهم البدائية وشوائه كما يحلو لهم.. وكان يحاول ان ارسم عمليات صيد السمك والبيوت التراثية القديمة التي تقع عند شاطئ البحر.

وعن حرب العام 1948 قال الفنان أبو شندي:

* خرجنا من يافا ثم الى نابلس ثم الى عمان حيث بدأت بوادر الفن لدي واصبح عندي اهتمام جدي بالفن وانا على مقاعد الدراسة حيث كنت اشترك بالمسابقات الفنية للرسم على مستوى المدرسة والمدارس الأخرى.

* واشتركت ببعض الرسوم خلال اقامة معرض فني في معهد النهضة الشهير في عمان- كان قرب مطعم جبري- بفترة خمسينيات القرن الماضي.

* واول دراسة فنية لي كانت في معهد الفنون في الشام، حيث تقدمت هناك لشهادة البكالوريا السورية (اي الثانوية العامة).. وهناك تعرفت على بعض الفنانين التشكيليين وعلى متحف الفن الحديث.. وكان من اساتذتي هناك في البداية مثلا: نذير نبعة، وميشيل كرشة ونعيم... وغيرهم.

* وفي العام 1964 ذهبت الى القاهرة للالتحاق بمعهد الفنون ولمدة خمس سنوات ثم عدت الى عمان مدرساً للفنون في الكلية العلمية الاسلامية بجبل عمان، وفيما بعد في بعض معاهد المعلمين وجامعة اليرموك وغير ذلك.

* ومع كل ذلك فأنا أؤمن بان الفن عملي اكثر منه نظري.. ولكن الدراسة تصقل كذلك موهبة وتجربة الفنان.

* ثم ذهبت الى الهند فقد جذبتني الطبيعة الخلابة والالوان الساحرة والغناء والرقص في الهند كما كنا نشاهدها من خلال الأفلام الهندية في عمان.

* وفي الهند درست وتعلمت من جماليات الهند وروحانية الهند الشيء الكثير عندما تخصصت في فن الجرافيك، ونلت الدكتوراه من الهند عام 1999، حيث تعمقت تجربتي بالفن والحياة اكثر.

* وكنت معجباً عادة بالفن الطفولي اكثر من فن الكبار.. من ادواتي في الرسم سكين الفن وألوان الالكرلك وتقنيات اخرى.

* والمعرض الاول الذي أقمته لطلابي كان في العام 1969 في الكلية العلمية الاسلامية.. حيث تم دعوة رجال من السلك الدبلوماسي وعدد من الوزراء وكبار شخصيات عمان الذين حضروا هذا المعرض الفني ، كما كان من جمهور الحضور شخصيات من تركيا واليابان، وشاد جميع الحضور بهذا المعرض الفني الفريد من نوعه في ذلك الزمن.

* أمَّا اول رسمة لي وانا طالب في المدرسة ضُربت عليها لانني رسمت رسمة فيها زخارف!! حتى ان المعلم في الصف لم يصدق وقال متسائلاً: هل رسمها لك اخوك ام ابوك ام اختك..الخ.. فقلت له غداً سأحضر ادوات الرسم وارسمها مرة اخرى امامك يا استاذ – وكان الاعتذار وكانت لي هدية علبة الوان.

* لذا يجب الاهتمام بالفن والفنانين وتدريس الفنون على أصولها في المدارس منذ الصغر.. حتى يخرج لدينا المتذوقون للفنون والمبدعون في الفنون التشكيلية.

• رحلة طويلة وثرية

هذا وقد تميزالفنان صالح أبو شندي كذلك في ساحة الفن التشكيلي الأردني بعشقه لأعمال الزخرفة الدقيقة الشبيه بالمنمنمات العربية الشرقية.

ومهما تقدم الفنان عبر تجاربه وحياته الفنية فانه لن يستطيع تبديل روحه مرة واحدة!! فالفنان صالح ابو شندي ما زال متوددا لمفردات وعناصر لوحاته السابقة والجديدة فإحساسه المرهف بالزخرفة الاسلامية من وجدات وموتيفات النخيل والطيور والسنابل والازهار وفن المعمار العربي وبعض حروف لغتنا العربية ما زال محافظا عليها باصرار الألفة وذلك حينما عاد في معرضه واعماله الاخيرة - قبل سنوات- بقوة الالوان المتعددة والمدروسة فنيا واجتمايعا، حيث الدهشة وفطنة الانشداد البصري وفحوها الاكثر ابداعاً.

وصالح ابوشندي فنان عربي اولاً قبل نزعته الشرقية.. وما زال مرتبطا بهذه الروحانية وهذه الشفافية والسحر والتحيز العربي من حروف القرآن الكريم وتفاصيل اسراره العربية.. وكذلك الخيول واساطير وبيوت ونوافذ واقواس واجساد خاصة بمنطقتنا العربية الشامخة بجذورها الخالدة من صحارٍ ونخيل واقواس التجربة الاسلامية.

ومما لوحظ في معرضه الاخير ان الفنان صالح ابو شندي قد عرض عدة مراحل وعدة حيوات عاشها وقدرات ومدارس ومذاهب فنية وتقنيات متعددة .. لماذا؟ فهل هذا ليؤكد لنا كمشاهدين وفنانين تلك الخبرات والقدرات؟! وهذا التاريخ الفني الحافل من رواد الفن التشكيلي الاردني مع غير من مثل المبدعين رفيق اللحام ومهنا الدرة وغيرهم؟!.

هذا وما زال الدكتور صالح ابو شندي مخلصاً لكل ما سبق.. ليس هذا فقط بل كذلك عالم المرأة فانها ما زالت تحتل مكانة جلية في ريشة والوان الفنان الدكتور من خلال المتع البصرية والكتلية والمساحات الناعمة حيث انحناء الخطوط والملابس الساحرة.

ولأبي شندي افكاره ودواخله الخاصة والفلسفة الانسانية في رمزها كعطاء وخصب وقيمة صوفية, وتأكيد ذات لتواجدها على الارض التي نعرفها والحياة التي نعيش والتي لا تكون الا بها ولها اصلا فلولاها لما عرفنا هذا الكوكب.

وهذا الفنان ابو شندي هو احد رواد الفن التشكيلي الاردني كمبدع قلمي يحاول ايجاد توازنه وكينونته في إثراء الوانه الجديدة, نحو فرح واصرار جديد لا بد منه لكل عربي يسير على ارض النور في زمن مخاضه الذي ما زال يتأرجح في أيامنا المعاصرة.

ولكن الفنان صالح ابو شندي ظل يذهب ويغمر نفسه في ابعاد ودواخل اغوار النفس البشرية العربية الشفافة.. علها تجد نفسها يوما على فريق الخلاص الجميل نحو نشوة القيم النبيلة والصدق والاخلاص والفرح الغامر.. رغم كل الممنوعات والرفض الذي يواجهه العرب اينما كانوا في فلسطين او غيرها من ارض العرب الشاسعة بالعبقرية غير المستغلة فنيا واقتصاديا بشكل جيد حتى الآن.