أبواب - وليد سليمان

يقول المفكر الشهير د. جلال أمين في كتابه" كُتب لها تاريخ":

لقد عرفت الدكتورة لطيفة الزيّات معرفة عابرة عندما كنت أحضر بعض الاجتماعات القليلة لجمعية الدفاع عن الثقافة الوطنية بدعوة كريمة منها.

وعندما توفيت الدكتورة لطيفة الزيات، لفت نظري أيضاً حجم الثناء الذي عبَّر عنه الكثيرون، ليس فقط فيما يتعلق بشخصيتها أو التزامها الوطني ولكن أيضاً فيما يتعلق بأدبها، وعلى الأخص روايتها الأولى "الباب المفتوح" التي صدرت في أوائل الستينيات، ثم أعادت نشرها هيئة الكتاب في 1989، وأخرجت في فيلم سينمائي. وكنت أعرف من تجربتي الشخصية ما يؤيد كل هذا الثناء على شخصية الدكتورة لطيفة، كما ذكرت، وعلى التزامها الوطني، اما مكانتها كأديبة فلم يكن لدي دليل واضح من القليل الذي قرأته لها، ومن ثم تشوقت الى قراءة رواية الباب المفتوح بعد كل ما كيل لها من مديح، وعلى الاخص بعد ان اصدرت نخبة ممتازة من النقاد الادبيين في مصر قرارها بعد وفاتها مباشرة بمنح هذه الرواية جائزة نجيب محفوظ بالاشتراك، مع رواية "البلدة الأخرى" لإبراهيم عبدالمجيد، وهي الجائزة التي انشأتها الجامعة الأميركية بالقاهرة لروايات عربية، حيث يمنح صاحب الجائزة مبلغاً مالياً رمزياً وتقوم الجامعة بتمويل ترجمة الرواية الى الانجليزية كما تقوم بنشرها وكانت الدكتورة لطيفة والاستاذ ابراهيم عبدالمجيد هما اول من حصل على هذه الجائزة. تشوقت اذن الى ان اقرأ رواية "الباب المفتوح" فقرأتها، واصارح القارئ بأنني على الرغم مما بالرواية من مزايا متعددة شعرت بان ما كنت اخشاه قد ظهرت صحته وهو ان شخصية الدكتورة لطيفة المحبوبة، وتقدير الكثيرين لها لالتزامها السياسي وانتمائها الايديولوجي، قد طغى على النقد الموضوعي للرواية كعمل ادبي، كما حدث للاسف في اكثر من حالة في ميدان الكتابة الادبية في مصر، فأصدروا حكما على هذه الرواية يتميز بالافراط في المجاملة، في حين ان التقدير غير المتميز للرواية لا بد ان يكشف عن نقاط ضعف ليس من المصلحة اخفاؤها.

اقول هذا رغم اني قرأت الرواية بشغف، ولم اشعر بالملل الا ان في اجزاء قليلة منها، ومع ذلك فقد وجدت الرواية تعاني من بعض نقاط الضعف التي لا يُستهان بها.

فالمحور الذي تدور عليه القصة يمكن وصفه بانه خفيف الوزن، فهي باختصار قصة فتاة تبحث عن الحياة فتصادف بعض المعجبين بها، المتفاوتين في مدى اخلاصهم وحبهم الحقيقي لها، وفي قوة شعورهم الوطني وفي درجة ثقتهم بأنفسهم وصدقهم، فيخيب املها بشدة في احدهم، وتخضع لفترة ما لتأثير شخص اخر منهم، وذلك قبل ان تقرر في النهاية ألا تهب نفسها الا لافضلهم، الذي يتصادف ايضا ان يكون اكثرهم صدقا في حبه لها واكثرهم وطنية في نفس الوقت.

هذه هي القصة باختصار كما قرأتها، ولهذا السبب اصفها بانها خفيفة الوزن، فهي لا تعالج مشكلة عويصة من الزاوية الاجتماعية او الاخلاقية او الفلسفية، المشكلة واضحة وحلها واضح واحتمال الاختلاف حولها لا يكاد ان يكون له وجود. ليس من المستساغ اذن ان تصور القصة كما حاول كثير من النقاد المتحمسين لها، وكأنها انتصار رائع للحرية او لحرية المرأة بالذات واستقلالها..الخ او انها رائدة ريادة باهرة في هذا المجال.

صحيح ان الفتاة تتصدى احيانا لارادة والدها الدكتاتور المتسلط، والذي يميز تمييزا صارخا ومعيبا للغاية في معاملته بين الذكر والانثى، ولكن شخصية الاب في الرواية شخصية كريهة ومنفرة، والوقوف ضدها لا يحتاج الى شجاعة نادرة ولا الى بطولة غير عادية او ذكاء خاص.

بل ان ليلى "بطلة القصة" لم تتصد له الا قليلا، ونادرا ما جابهته مجابهة صريحة، بل وخضعت لارادة في امر مهم جدا، عندما قبلت عرض الزواج من استاذ الجامعة الذي تكرهه، ليس في الأمر اذن بطولة غير عادية، كما ان الصراع نفسه صراع قديم، والانتصار فيه لا يعتبر تجديدا او ريادة، فالامر لا يزيد على اصرار البنت على الزواج ممن تحب، وهو امر قديم يرجع الى ايام عنتر وعبلة، ويقبله اي عاقل عبر مختلف العصور والامم.

اما ربط القصة الشخصية بتاريخ القضية الوطنية في مصر فهو ربط سطحي لدرجة بعيدة، ويمتلئ بالعبارات المفرطة في عاطفيتها بل والانشائية احيانا، مما يجعل القارئ اميل الى القفز فوق هذه الاجزاء من السرد بدلا من التعاطف والتجاوب معها.

الرواية لا بأس بها، فأنت تتم قراءتها دون عناء، وحوارها في معظمه ذكي وخفيف الروح، ولكنها كما حاولت ان أبين، ليست رواية عظيمة بأي حال من الاحوال، ولا يمكن ان توضع في مصاف الروايات الممتازة حقا في ادبنا العربي الحديث، بل ولا حتى في مصاف بعض روايات الجيل الاصغر سنا بكثير من الدكتورة لطيفة الزيات، ولا اشك في ان جزءا كثيرا من الثناء الذي حظيت به الرواية يعود الى مودة خاصة يشعر بها لفيف مؤثر من ناقدينا الادبين، يحبون الدكتورة لطيفة حبا شديدا، ولهم نفس انتمائها الايديولوجي، وهو امر كان يجدر بهم في رأيي ان يحولوا بينه وبين ما يصدرونه من احكام أدبية.