ملك يوسف التل

الجيرة كانت مقدسة.. والفرح والحزن من القلب

المرأة كانت تتمتع بسلطة تنفيذية هائله لكنها لا تتباهى بسلطتها احتراما لكرامة الرجل

مبادىء التكافل المجتمعي كانت حاضرة تحصّن النسيج الوطني

إذا كان هناك من وقت نحتاج فيه لاستعادة أيام عمّان الأم.. عمّان الأربعينيات والخمسينيات وحتى الستينيات، فهذا هو الوقت..

وليس فينا من لا يعرف السبب!

أقصد استعادة عمان اللويبدة وراس العين والمهاجرين وعين غزال وغيرها الكثير الذي يفيض عن الذاكرة من ناس وجبال وحارات وملاعب ودكاكين واسواق مدينة عاشت بروح القرية وبنبض العيلة وطهارة الجيرة المقدسة.

كثيرون من الرواد الآباء الذين عاشوا عمّان في النصف الأول من القرن الماضي، وحظوا بنعمة معايشة هذه الحاضرة الأثيرة وهي تتحول وتتوسع وتتغير في النصف الثاني من القرن العشرين، حكوا وكتبوا واستذكروا وقارنوا بشجن واحيانا بحرقة.

وكانوا بذلك يؤدون واجبا تجاه الأجيال الجديدة التي باتت تسمع عن عمان الأم وأحيانا لا تصدق كم كانت عمان أمّا وجدة ومستقبلا منذورا للعز.

أما حديث ميسون العرموطي عن عمان التي لا نعرفها اليوم، فهو حديث مختلف. فهي تمتلك رزما من السجايا والمواهب أولها الذاكرة الفوتوغرافية المغرقة في التفاصيل التي تحكي كل منها ترويدة بصوت خفيض حميم.

وحين يضاف للذاكرة الدفيئة شئ كثير من التواضع الموروث بدون افتعال، تكتسب مشاهد الأبيض والأسود صفة المهرجان الملون بالضوء والخضرة وبأصوات الوديان التي كانت تفيض من جبال عمان إلى ساحة الحسيني.

الفرق النوعي الذي يعطي لذاكرة أم طارق سطوة أنيسة، هو أنها ارتادت العمل التطوعي الخيري مبكرا وبعدّة مثقفة، فكان لها في جمعية الأسرّة البيضاء مثل الذي كان لها في جمعية الشؤون الدولية من رسالة استشرافية متحركة في مفاهيم التنمية والمسؤولية، تستحق ان نحملها معنا للمئوية الثانية للدولة.

ولدتُ في عمان يوم 12/12/1955 الرابعة بين تسعة أشقاء، خمس من البنات وأربعة أولاد.

ليس مثل الرضا والحمد لله، يديم النعم على عباده، فقد عشت طفولة هانئة هادئة، متأثرة بوداعة والدتي سعاد عمر المعاني التي لقبّها جدي بـ «البركة» لطيب كرمها وتواضعها وحبها للخير ودفىء لسانها ومقتها للاستغابة.

كرست أمي حياتها في رعاية أبي محمد نزال العرموطي و بيتها وأبنائها.

أقول ذلك وكأنني اليوم أرى أبي أمامي بطلته البهية وقوامه الفارع النحيل وشعره المصفف وهندامه الأنيق. وقد نلت وشقيقاتي حظا أوفر من دلاله.

تأثرت باخلاص أبي ووفائه للأصدقاء والمعارف وصلة الرحم، وكيف وباب بيتنا مشرعا لصاحب الحاجة أو المشورة.

بالمحاكاة والفطرة اكتسبت منه التواضع والانصات لكل الناس فهم، كما كان يقول «أساتذة وطلبة نتعلم منهم ونعلمهم» مرددا قوله تعالى «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».

جيرة زمان

البداية منطقة رأس العين أو جبل نزال... كانت منطقة شبه مغلقة جميعنا نعرف بعضنا، نسمع همسات الضعيف فيهب أهالي رأس العين ونزال والنظيف يلتفون حوله.

الجيرة كانت مقدسة تقاربت فيها القلوب... وفي الذاكرة عائلات أفاضل جاورناهم منهم العقرباوي والدويري والعبابيد بمختلف فروعهم والدبايبة والشركس وعائلات فلسطينية هاجرت اثر الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وأذكر ان جدي أقطع أراضٍ لكل من عمل معه او في خدمته في منطقة رأس العين والحمرانية حيث يمتلك أبي ارثاً عائلياً: الجبل الاخضر وكان اسمه العماوي ومنطقة أبو حليوي وهم أحياء مجاورة لجبل نزال فباع بالتقسيط للعائلات المستورة.

كان ذلك بعد عودتنا من الكويت عام 1971 كي يتمكن من تغطية مصاريف دراسة أشقائي خلال دراستهم في الجامعة الأمريكية في بيروت وتدبر أحوال من هم ما زالوا في المدارس ومصاريف منزل مفتوح للأهل والأصدقاء.

تحتفظ الذاكرة بطقوس ولا أجمل، عاصرتها وقطفت من ثمارها، وما زالت داخل أعماقنا.

باب منزلنا لا يغلق بغض النظر عن نوع الزيارة رسمية أو مساعدة أو دعوة على الغداء أو العشاء خاصة بعد وفاة جدي حيث أصبح أبي كبير العائلة وامتدت علاقاته من خارج الأردن بحكم عمله في السلك الدبلوماسي لمدة 6 سنوات.

عشت فضاء رحباً في جبل نزال وحقول القمح تملأ الأفق برموشها الذهبية وتمايلها مع نسمات الهواء.

ذكريات جميلة تنبض بأرواحنا فتأخذني إلى عوالمنا التي انطفأت، إلى طفولة بريئة لونتها أيدي أجدادنا، فتشكلت شخصيتي من أسرة عرفت معنى الحياة وأهمية العلم والمعرفة بكل جوانبها الاجتماعية والثقافية والانسانية والدينية كالعديد من أبناء جيلي.

عشنا حياة بسيطة حتى لميسوري الحال تحسبا لأيام العيش البعيد. مبادىء التكافل و التضامن المجتمعي حاضرة، ما حصّن النسيج الوطني بعناصر من المنعة و السلامه بمفاهيم راقية غرست في مخيلتي منذ طفولتي المبكرة لتكون رفيقي المؤنس في مسيرة حياتي.

ذكريات ولا أحلى

أما جدتي فذكرها ينعش القلب.. أجدها شامخة فخورة بمحيطها وكانت مثال لكل النساء في منطقتنا. أرها، متربعة وبجانبها زوجة الحراث تتناولان الطعام من صحن واحد ولا تمل السماع لما يدور بينهما من حديث.

جدتي وهي أمامي بمدرقتها و ملفعها و عصبتها السوداء و كنا نستمتع كلما نراها تجدد حشوها بالجرائد المطوية حتى تستقيم وتبقى على شكلها مرتبا أسابيع طويله.

منذ الصباح الباكر تتحزم بحزام من الخام المدرب و تشد أربطته من الخلف إلى الأمام وتبقية حتى تخلعة عند النوم. وعندما أسألها يا جدة لماذا تلبسين هذا الحزام؟ تجيبني بعفويه «حتى ما أجوع و أظل أوكل طول النهار».

كانت تهتم بصحتها فلا تأكل بين الوجبات و دائما تحرص على تناول طعامها بنفس الوقت.

الحديث عن جدتي يعود بي لشخصية المرأة في ذاك الزمن حيث كانت تتمتع بسلطة تنفيذية هائله، دون ان تتباهى بسلطتها احتراما لكرامة الرجل ومكانته. أذكر عندما كانت جدتي تطلب من جدي في بعض الأحيان أمورا لأولادها فيقول لها زاجرا: «يا حكي الدلال» و ينفض عباءته وبعد يومين أو أكثر بقليل ينفذ معظم طلباتها.

حوش دار جدي كان ممتدا يتربع على جبل نزال، و مقابله جبل النظيف. أجمل ما في المكان وأنا أسمع جدي يتبادل السلام مع أصدقائه من الجبل للجبل يناديه قائلا: «تعال تعلل».

لم يكن جدي لوحده فشيوخ ذاك الزمان قامات شامخة، ويحضرني الآن من أمثال جدي الشيخ موسى النهار. وكانت الفرشات و المراكي متناثره على طول الحوش و في معظم السهرات لا يُضيف الضيف إلا القهوه و الشاي والجود من الموجود.

أما الأفراح فهي متاحة لجميع الأهل وأهل الحارة، يشارك فيها الجميع دون تكلف و كانت الهدايا من الخرفان و أكياس السكر والأرز بالإضافة الى النقوط التقليدي و يعتبر» قرظه و دين».. فكانت الناس تفرح وتحزن من قلبها.

أما الأكلات السائدة وها نحن نعود إليها اشتياقا لها، هي المجدرة، الرشوف، اللزاقيات، البرغل، الرشته، و أيام الحصيدة كنا نأكل السليقة من القمح الطري و القلية من القمح المشوي.

ورغم أن مذبح الغنم لم يكن ينشف عند دار الجد لكن معظم الذبائح كانت تقدم للضيوف في المضافه و جدي يستمتع بدق القهوه في المهباش بنفسه من باب اكرام الضيف و له رنته الموسيقيه المميزة.

وكما الجميع في ذلك الوقت، يتولى الرجال طبخ اللحم المقطع مع اللبن الممروس.

أما الأعياد فهي شيء آخر بطقوس المحبة والمساواة والألفة عندما توزع فيه الملابس الجديدة على نساء الحاره أقارب و أغراب دون استثناء.

ما أريد قوله أنني عايشت عصري البساطة والرفاهية واستمتعت بالمرحلتين واستفدت وتعلمت منهما، وفي ذهني صداقات بنات الحي ونحن نلعب أمام بيوتنا «بيت بيوت» ولعبة الـ «الإكس» والحجلة وعمل دمى من شرائط، وكان عندي دمية متطورة أخفيتها عن أعين بنات الجيران. كنت ألعب بها لوحدي أو مع شقيقاتي في البيت حتى لا أثير حساسيتهن.

اختلاط مشروط

كانت الصداقات الحقيقية مع أولاد الحي حتى بلغت سن السابعة، وبعد التاسعة من عمري حصل بعض التشدد في الحرية و الحركة لبنات العائلة.

ولأنني لا استطيع تحمل البقاء في المنزل طويلا، سمحت لي أمي الخروج برفقة ابن عمي خليل الذي اكبره بأشهر.

كان خليل قبضاي مما طمأن الوالد تواجدي معه، فامضيت اجمل ايام الطفولة البريئة في سهولة الحركة والبقاء اطول مدة ممكنة في الحارة ولعبت معه وشقيقاتي وأبناء الحارة من العائلة «القلول والشعبة والمقليعة والنقيفة والطيارات الورقية والطماية» كانت العاب بسيطة وتلقائية، عندما اتذكرها أشفق على اطفال شغلتهم المفاهيم والتقنيات الجديدة حتى أخفت برائتهم.

ما بين الراهبات والشيخ

أذكر وشقيقتي انتصار التي تكبرني بثلاث سنوات، عندما كنا نذهب إلى كلية راهبات الوردية في المصدار. كنا أثيرات عندهن. والدايّ كانا يتبادلان الزيارات والمعايدات للرئيسة «ميري كليمانص زوايدة».

وفي عطلة نصف السنة كنت في الصف التمهيدي أو الاول، ارسلني أبي وبرفقتي خليل ابن عمي ليرتاح البيت من شقاوتنا. فذهبنا لتعلم القرآن الكريم عند الشيخ الأعرج وكان يقطن في اخر شارع دار جدي

في غرفه من الدكّة الاسمنتية نجلس جميعا مع اولاد وبنات الحي على حصيرة والشيخ امامنا جالساً، وكان له قدما خشبية وامامه منقل من الفحم. حفظت عنده سورة الفاتحة والنصر وبعد عدة أيام طلب مني الشيخ الجلوس بجانبه لتسميع سورة النصر ومن شدة الحماس تعثرت بالمنقل الذي امامه فمد عصاه وضربني على ساقيّ ونهرني ان ارجع لمكاني. في وقت الاستراحة أخبرت ابن عمي خليل اننا سنهرب ونعود للمنزل ولن نرجع مرة اخرى فوافقني ولم نعد ثانية.

ما يثلج الصدر بالحنين مع ابن العم خليل أنه ما زل أثيراً عندي وله معزة خاصة ولا يزال بطباعه القديمة الجميلة فالزمن لم يغيره.

الانتقال الى جبل اللويبدة

في سن السابعة سكنا جبل اللويبدة لبيت من عائلة سختيان فشعرت العائلة وكأنهم فقدونا للأبد.. حزنوا حزناً شديداً وكأننا مغادرين الوطن.

كأطفال شعرنا بالحماس للتغيير رغم فقداننا للحي وللأهل.

من جيراننا في جبل اللويبدة أبو حبيب سبانخ، محمد خلف، سعيد الغزاوي، ومنزل ابو محمد العزب وآل حبش.

استمتعنا بالسكن والجيرة ونحن نصحوعلى صوت موسيقات القوات المسلحة كما ونسمع اجراس الكنائس.

في اللويبدة جمعتني صداقات مع الجيران، وفي الذاكرة من زميلاتي في الصف والمدرسة سوزي غزاوي، ريما خلف وكانت تكبرنا بعدة سنوات.

في يوم من الأيام حضرت خالة سوزي الامريكية لزيارتهم تحمل هدية لعبة مونوبولي فكنا نأخذها ونذهب لبيت ريما خلف ونجلس ساعات طويلة على الأرض ونحن نلعب.

وذات يوم حضر السيرك الهندي الى جوارنا في العبدلي فاستمتعنا بحضوره عدة مرات.

من ذكريات جبل اللويبدة، قرب بيت جيراننا دار حبش، سكنت فتيات هنديات مشاركات بالسيرك فكنا نسلم عليهن ونقدم لهن الورد فنجد متعة واستمتاع فيما نقوم به.

ومن ذكريات هذا الجبل العريق بثقافته من مبان أثرية استخدم منها للتراث والثقافة والفن والمسرح أذكر في كثير من الأحيان نترك أسرّتنا ونذهب للنوم تحت طاولة السفرة واعطاء غرفنا للزائرين من حي نزال. وفي كثير من الاحيان أيضا كانت «ختائر» العائلة يحضرن معهن صديقاتهن من العائلة للزيارة والمبيت ونحن ننصت لأحاديثهن وكنا نلعب مع الجدة لعبة الباصرة.

لقد نهلنا منهم ومن خبراتهم ومحبتهم الكثير الكثير واستطيع القول أنني حفظت الكثير من سير الأولين وحكاياتهم من جداتنا. للويبدة ميزاتها.. ففيها أصبح عندي صديقان: عمر وعلي أبناء خالي وكانا قد عادا من قطر وبيتهما بجوار دار جدي لوالدتي قرب مدرسة التراسانطة فكنت اذهب كثيراً لزيارة بيت خالي للعب معهما وكنا نجلس على «البرندة» ويشاركنا في بعض الأحيان اللعب شقيقاي نزال وعمر.

في الذاكرة من صديقات أمي المقربات جدا، مديحة الحديدي كانت تحضر لزيارتنا مع ابنها المدلل نبيل حاملا العابه فنلعب لساعات طويلة وكانت والدته تحضر معه لعبة البرسيس. صداقة والدتي مع مديحة الحديدي قديمة مذ كان ابي متصرفا في اربد في منتصف الخمسينيات وكان زوجها مفلح السعد البطاينة رئيسا للبلدية.