ملك يوسف التل



ليس مثل رائدات الإعلام الأردني، اللواتي ملأن فضاء الثُلث الأخير من القرن الماضي بصوت «هنا عمّان.. إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية»، قُدرةً على تخفيف حدة مرارة الشكوى من غياب الإعلام في هذه الأيامّ !!!

نلجأ اليهن في الجائحات الراهنة: الكورونا من جهة والقلق من جهة أخرى ورهاب السوشيال ميديا من جهة ثالثة، لنسمع روايات المراوحة بين الحنين والذكريات. ذكريات ما تصفه الاعلامية المذيعة ضياء فخر الدين بـ «رسم أشكال للوطن بالأبيض والأخضر».

في جلساتِ «بعيداً عن السياسة» سابقة،مع اعلامياتٍ رائدات مِنْ عهد «إذاعة عمان»، كانت هذه المساحة حلقاتٍ أعادت استنبات بعضا من حنّونٍ مات بالعطش.

واليوم، مع الرائدة الاعلامية ضياء فخر الدين نذهب خطوة أخرى في التمييز والتوليف، بين الذكريات والنوستالجيا ليس فقط لنتشارك مع الذين يسألون أين الاعلام عما نحن فيه، وإنما أيضاً لنسمع ضياء تقول» كنَّا ولا زلنا».

يقول اختصاصيو سايكولوجية الإعلام أن الحنين للماضي هو البحث عن سكينة وإبداع وإلهام باتت كلها شحيحة، وهو استرجاع ذكريات عذبة، لكن الجزء المؤلم فيها هو معرفتك أنّها ذهبت دون رجعة!

بعض مختصي علم النفس يعتقدون ان الحنين للماضي نوع من الاكتئاب، وأن من يخيم عليهم شبح الماضي لا يقدرون على المضي للأمام.

لكن آخرين يرون الحنين للماضي هو أكثر من مجرد وسيلة نجاة واهنة من الحاضر، لأنه منبع للأمان والاستقرار، ويتيح للشخص مواجهة مستقبله.

مع ضياء فخر الدين، كما مع زميلاتها من رائدات الاعلام الأردني، كان الحديث هنا أكثر ثراء وظيفي من مجرد مضغ الذكريات. فالماضي هو مخزن انتصاراتنا وأخطائنا أيضا لحنين فيه شعور بالانتماء والرضا النفسي، مع الرغبة في الاستمرار بالعيش وتحدى ابتكار تجارب جديدة.

ولذلك نترك المايكروفون للمذيعة ومقدمة البرامج الرائدة لتتحدث وتتنقل في مزيج النوستالجيا والذكريات:

تكريم:

خلال مسيرتي المهنيَّة تلقَّيت عدداً من الدروع وتكرَّمت في عددٍ من المحافل لكنَّ أكثر ما أسعدني أنْ كان لي شرفُ مقابلة جلالة الملكة رانيا العبدالله لأكون ضمن خمسَ عشرةَ إعلاميَّةً ممَّن عملن في مؤسَّسة الإذاعة والتلفزيون الأردنيَّة كَرَّمَتْهُنَّ جلالتها كرائداتٍ للعمل الإعلاميِّ الأردنيِّ.

لقاءات:

ومن أجمل اللِّقاءات؛ لقاؤنا مع سموِّ الأمير الحسن في الديوان الملكيِّ الهاشميِّ العامر، أنا ومجموعةٌ من الزُّملاء. كان لقاءً لن ننساه أبداً، أشبهَ بجلسة عصفٍ ذهنيٍّ، وحلقةً نقاشيَّةً تبادلنا فيها الآراء والأفكار حول المعطيات التي يجب أن نسترشد بها في عملنا الإذاعيِّ. وأسهبنا في الحديث عن دور الإعلام وأثره في بناء الوطن وتوعية المواطن. سَعِدنَا جداً بدماثة خُلُقِ سموِّه وتواضعه وحِدَّة ذكائه واتِّقاد فِكرِه فهو موسوعةٌ كاملةٌ من الحكمة والمعرفة.

هذا وقد كان لي الشَّرف أَنْ حَظيتُ مسبقاً بلقاء سموِّه في مبنى الإذاعة الأردنيَّة حين اجتمع معنا؛ « مازن المجالي، سمراء عبد المجيد، ضياء فخر الدين، سموِّ الأمير الحسن، المرحوم جبر حجَّات وخلدون الكردي » وتناولنا حينها الحديث في جوانبَ مختلفةٍ تهمُّ العمل الإذاعيَّ وتحديداً ما يخصُّ البرنامج الخَدَمَاتِيَّ الأوَّل والذي تناوبنا على تقديمه معاً حينها، برنامج « البثُّ المباشر ».

إذاعة مَجْمَعِ اللُّغة العربيَّة:

وممَّا لا بدَّ ذكره أنَّني عَملتُ فترةً وجيزةً في إذاعة مَجْمَعِ اللُّغة العربيَّة الأردنيِّ. قدَّمتُ خلالها برنامجاً صباحيَّاً اسميته « صباح الورد » وآخرَ شعريَّاً يُذاعُ في المساء بعنوان « عَذْبُ الكلام ». كان مؤسِّسُ الإذاعة، ومديرُها آنذاك؛ الزَّميلُ العزيز عطوفة عدنان الزعبي، زوج الزَّميلة العزيزة جمان مجلِّي، إحدى رائدات الإعلام الأردنيِّ، مَن استدعاني للتَّعاون معهم.

لم يكن العمل في هذه الإذاعة سهلاً لتخصُّصها ببثِّ جميع موادِّها باللغة العربيَّة الفصحى وما يرافقه من محدوديَّة توافر القصائد المغنَّاة، لكنَّه كان ممتعاً. كانت عمليَّة المونتاج وحدَها، والتي يقوم بها مهندس الصَّوت، الزَّميل المبدع، ربحي عرار، تستغرق أكثرَ من ساعةٍ ونصف السَّاعة لإتمام الحلقة الواحدة وذلك لحرصنا كلَّ الحرص أن تخرج الحلقات بالصُّورة التي تليق بحجم الجهد المبذول بَدءاً من اختيار الفقرات مروراً بتسجيلها في الاستوديو وانتهاءً باختيار مقاطعَ من القصائد المعتمدة يكون مناسباً لكلٍّ فقرةٍ منها.

وقد أسعدني العمل في هذه الإذاعة الراقيَّة، كرُقِيِّ رئيس مَجْمَعِهَا، معالي الدكتور خالد الكركي، وأمينها العامِّ، الدكتور محمَّد السعودي.

مؤهلات المذيع الناجح:

ولمن لديه شَغَفُ العمل في الإعلام أقول: إنَّ للنَّجاح عواملَ كثيرةً، أهمُّها: أن يملك المذيع ناصية اللغة، فهي الركن الأساس في العمل الإذاعيِّ وأنا من المتعصِّبين والمتشدِّدين جداً للغة العربيَّة وأعتبر أنَّه مهما كان المذيع مميَّزاً، ينقص تميُّزه وأداؤه إذا ما أخَلَّ باللغة العربيَّة. فإن لم يكن متقناً لقواعد اللغة العربيَّة بشكلٍ كافٍ، يستطيع تطوير مهاراته إمَّا بالتعلُّم والتدريب أو بالرجوع إلى المدقِّق اللغويِّ، فَأَنْ تسألَ خيرٌ لك من أن تخطىءَ أمام آلاف المستمعين.

وفي سياقٍ متَّصل، أقدِّر للصديقة العزيزة نبيلة غيشان - والتي دوماً تشعُّ ايجابيَّةً وتفاؤلاً وتُضفي أجواء المرح والسَّعادة في أيِّ مكانٍ تحلُّ فيه - أقدِّر لها أنَّه وبرغم إجادتها قواعدَ اللغة العربيَّة وخبرتها الطَّويلة سواءٌ أكان في التَّعليم أو في العمل الإذاعيِّ، كانت تعود إليَّ وتسألُني عن تشكيل أيِّ كلمةٍ تحتمل الشَّك ولو كانت بنسبة واحدٍ في المائة. فلا حرج في ذلك أبداً. وعلى العكس تماماً؛ ازداد تقديري لها لحرصها الشَّديد على أداء واجبها على أكمل وجه.

أتمنَّى على الجيل الجديد من الشَّباب الذين يحملون راية الإعلام ويؤتَمَنون عليها أن يَقتدوا بمن سبقوهم وأن يسيروا على خُطاهم. وأعودُ وأكرِّر: أن تسألَ خيرٌ لك من أن تُخطىءَ أمام آلاف المستمعين.

على المذيع الناجح أن يكون مثَّقفاً واسع الإطلاع، ذكيَّاً سريع البديهة. فكلَّما كان لمَّاحاً فطناً؛ كلَّما استطاع أن يدير دفَّة الحوار بكلِّ دقَّة وحرفيَّة وأن يكون أيضاً متواضعاً قريباً من النَّاس وتلقائيَّاً غير متصنِّعٍ يحترم المهنة ويَفِي بمتطلَّباتها ويتَّصف باللباقة ويحرص على بثِّ الرُّوح الايجابيَّة بين طاقم العمل وبين المستمعين.

عودةٌ إلى ذكريات الإذاعة الأردنيَّة:

أعود الآن ثانيةً إلى الحديث عن إذاعتي الحبيبة « إذاعة عمَّان » التي كانت البيت الحاضن لكبار الشعراء الأردنيِّين أمثال: عاشق الوطن معالي حيدر محمود، والشامخ كشموخ سنديان العالوك، حبيب الزيودي - رحمه الله - والكثيرين غيرِهم.

كانت الإذاعة الأردنيِّة مُلتقىً لأهل الفكر والعلم والفنِّ. وكنَّا؛ الزملاء والزميلات، نتسابق دوماً لإجراء مقابلاتٍ معهم، ملقين الضوء على أهمِّ إنجازاتهم وأعمالهم وثرائهم الفكريِّ والعلميِّ والأدبيِّ.

كما كنَّا نتعاون ونقدِّم برامجَ للعديد منهم؛ أذكر على سبيل المثال لا الحصر، برنامجاً نثريّاً قَدَّمْتُهُ للشَّاعر الكبير، الدكتور محمود الشلبي يحمل عنوان « اللَّيلُ مَرفَأُنَا ».

ومن الذِّكريات التي لن أنساها أبداً، أنَّه وقبل يومين من احتفالنا بذكرى استقلال مملكتنا الحبيبة، اتصلت بالشَّاعر الكبير والصَّديق العزيز، الدكتور راشد عيسى، الذي أعشق شعره الغزليَّ والوطنيَّ والفلسفيَّ. وهنا أنتهزُ الفرصة لأدعوَكم جميعاً أن تمرُّوا على واحدةٍ من قصائده، الأقرب إلى قلبي والأكثر ملامسةً لواقع حياتنا، بعنوان؛ « حذائي » والتي تختزل في سطورها كلَّ فلسفة الحياة وحكمتها.

المهمُّ أنَّني طلبتُ منه أن يزوِّدني بإحدى قصائده الوطنيَّة تتناسب وهذه الذكرى الغالية جداً على قلوب الأردنيِّين جميعاً. وكعادته لم يخيِّب أملي وأرسل لي قصيدةً كُتِبَتْ خصِّيصاً ولم تُنشِر في أيٍّ من دواوينه. كانت قصيدةً رائعةً بكلِّ ما تحمله الكلمة من معنىً ولا زلتُ أحتفظ بالنسخة الوحيدة بخطِّ يده وأعتزُّ بأنَّني حصريَّاً من يملكها كما أخبرني شاعرنا الكبير خلال مكالمةٍ هاتفيَّةٍ أجريتها معه في الأيَّام القليلة الماضية.

وبعد استئذانه، أرفق لكم مع هذا المقال بعضاً من أبياتها التي تصلح لكلِّ الأزمنة خاصَّة هذه الأيَّام ونحن في غَمرَةِ احتفالاتنا بمرور مائة عامٍ على تأسيس دولتنا الأردنيَّة الهاشميَّة الأبيَّة:

جَمِيلَةٌ أَنْتِ يَا عَمَّانُ عَاشِقَةٌ ... مَحبُوبَةٌ حَسَدَتْ أَمجَادَهَا المُدُنُ

هَا أَنْتِ أُمُّ الصِّبَا عِزَّاً وَأُّبَّهَةً ... مَصُونَةٌ بِجِبَالِ الشَّمْسِ تُحْتَضَنُ

مُذْ كُنتِ رَبَّةَ عَمُّونٍ وّأّنْتِ مُنَىً ... وَحُبُّنَا لَكِ يَا عَمَّانُ مُرْتَهَنُ

لَبِسْتِ حُسْنَكِ ثَوْبَاً لَا مَثِيلَ لَهُ ... وَلَمْ تَهُزَّكِ لَا رِيحٌ وَلَا مِحَنُ

أعتقد أنَّ كثيراً من الفنَّانين العرب يَدينون لِـ « إذاعة المملكة الأردنيَّة الهاشميَّة » فقد كان لها الدَّورُ الأبرزُ في تسليط الضَّوْءِ عليهم وتعريف محبِّي الفنِّ بهم ولها الفضل في شهرتهم وتقديمهم للعالم أجمع.

وفي سياق متَّصل، كانت إذاعتنا الحبيبة حاضنةَ أهل الفنِّ من جميع الدُّول العربيَّة الشَّقيقة والكثير منهم قاموا بزيارتها. أمثال؛ الفنَّانة الكبيرة، نجاة الصغيرة، والبدويَّة السَّمراء، سميرة توفيق؛ التي بدأتْ انطلاقتها وشهرتها من عمَّان.

ومن زوَّارها أيضاً، صاحب الصَّوت الجبليِّ، عملاق الفنِّ اللبنانيِّ، وديع الصافي، ونزهة يونس وهيام شقيقتها التي نتمنَّى لها الشفاء، الفنَّانة طروب، دلال الشمالي، سماهر، موَّفق بهجت، فهد بلَّان، أدونيس عقل، أحمد دوغان، سعاد محمَّد وابنتها نهاد فتُّوح، ميّ ووحيد، صوفيا صادق؛ مطربة الأوبريت الأعظم حينها، رائعة الجواهري « يا أيُّها الملك الأجلُّ » والكثيرون غيرهم.

ومن الممثِّلين أذكر: سندريلا الشَّاشة العربيَّة سعاد حسني والحسناء الرقيقة نادية لطفي، اللتَّين سجَّلتا فوازير رمضانيَّة مع الزميلتين ليلى القطب وجمان مجلِّي.

وأيضاً، فتى الشَّاشة كمال الشنَّاوي، مديحة يسري، ماجدة الخطيب، محمود ياسين وزوجته شهيرة وقد لا يَسَعُنَا المجال لذكرهم جميعاً.

خاتمة:

وفي ظلِّ ما نعيشه الآن من أوقاتٍ صعبةٍ في العالم أجمع؛ أتمنَّى أن نظلَّ دوماً متمسكين بالأمل وأنَّ الحياة الجميلة لا بدَّ أن تعود. وكما أتمنَّى المحبَّة والسَّلام لكلِّ النَّاس فإنَّني وبالتَّأكيد أتمنَّاه لعائلتي الأغلى والأحبُّ، ابنتي الكبرى؛ راما شاهر الحديد وأولادها / أحفادي الأحبَّاء: حمزة، فرح، لين، ليث، أردن، وشهم. وابنتي الصغرى؛ روان شاهر الحديد والتي كوالِدَيْها أحبَّتْ الإعلام والعمل في مؤسَّسة الإذاعة والتلفزيون الأردنيَّة. أتمنَّى الخير كلَّ الخير لنا جميعاً وأن نكون دائماً بعضاً لبعضٍ وسنداً لسندٍ وقلباً على قلبٍ.

هذا غيضٌ من فيضٍ وهذه بعضُ ذكرياتي التي عشتها وتعيش معي ولا يَسَعُنِي إلَّا أن أتمنَّى لإذاعتي الحبيبة التألُّق بجهود شبابها الخيِّرين واذكر منهم الزَّميل العزيز صدَّام المجالي والزَّميل العزيز حسام المناصير؛ فكيف لا وهو - الشبل من ذاك الأسد - يشهد الجميع له ولوالده الإعلاميِّ الدكتور محمَّد المناصير بالمهنيَّة والاحتراف.

وفي النِّهاية أشكر المخلصين من المستمعين للإذاعة الأردنيَّة، الذين كانوا ولا يزالون على عهد الوفاء، فهم كُثر ومنهم؛ الأستاذ نبيل عمَّاري وهو من العاشقين لإذاعتنا الحبيبة. وكذلك لا أنسى من الزملاء، المخلص رستم أبو رستم، الذي أخذ على عاتقه مهمَّة إبقاء الزملاء الأوائل على تواصل ودوماً في الذَّاكرة من خلال صفحته عبر موقع الفيسبوك.

ولإذاعتنا الحبيبة أقول: دُمْتِ للحقِّ نبراساً، للعدل صوتاً، للإخلاص رمزاً، للعطاء كنزاً وللحبِّ منبعاً. وبقدر مساحات الوفاء الذي نَحمِلُه في قلوبنا وبين الحنايا ندعو أنْ تدومي المنبر الحرَّ للكلمة والمصدر الأكيد للخبر والصَّوت الأعلى للحقِّ.

تحيَّاتي ومحبَّتي واحترامي لكلِّ عمالقة الإذاعة مَن رَحَلَ منهم ومن تُزَيَّنُ بهم الحياة وتمنيَّاتي الخالصة لكلِّ من يحمل الآن مسؤوليَّة متابعة المسيرة بالنَّجاح والتوفيق وأن تكون « إذاعة عمَّان » دائماً في سويداء قلوبهم وحبَّةَ الفؤاد والعينين.