غدير سالم

مع دخول جائحة كورونا نهاية عام ٢٠١٩، ترعرعرت الشائعات في ما يتعلق بهذا الفيروس، حيث كثر حديث البعض من دون علم، أو دراية، عن تداعيات الوباء، ونتائجه، مع التهويل في حجم الإصابات والوفيات، بل وشككوا في جدوى اللقاح من عدمه، ووصل الأمر إلى طرح وصفات وعلاجات للفيروس المؤذي، ونصبوا من أنفسهم علماء، وأطباء، ومراجع معلوماتية عن الجائحة، وطبيعتها، بل وطرحوا وجهات نظرهم في كيفية المواجهة، من دون الاستناد إلى ما يدعم أقاويلهم، وفي المقابل كانت الأجهزة المعنية في الدولة متنبهة لهؤلاء، فحذرت من نشر أو تداول أي من الشائعات، ونبهت إلى ضرورة استقاء المعلومات، والأخبار من المصادر الرسمية.

فالشائعات في زمن «كورونا» بمنزلة رديف كارثي يضاعف من حجم الإحساس بالأزمة، ويسيء للجهود المبذولة من جهات الدولة المعنية والمسؤولة كافة، والتي سجلت تفرداً، وريادة في التعامل مع الجائحة.

كثيرون أصغوا لشائعات كان نتائجها خطرة وكارثية وربما وصلت للموت. يقول الموظف أسعد الشامي :«أشعر بالندم لتصديقي عدة معلومات وصلتني من خلال تطبيق واتساب عن لقاح كورونا، مما دفع بي لعدم أقناع ابي بتناوله، وبعد فترة من الوقت أصيب أبي بالفيروس وساءت حالته وكانت النتيجة أن توفاه الله.»

أما أماني الحاج فتجربتها أيضا مريرة بما كانت تتداوله من إشاعات حول الفيروس، جعلتها تهمل الاحتياطات اللازمة للوقاية منه، تحت ذريعة أنه مرض عادي لا يوجب كل هذا القلق والحذر إلى أن أصابها المرض وكان وقعه شديد عليها.

ويبين استشاري علم الاجتماع د. فيصل غرايبة قائلاً:» أنه من الأهميَّة بمكان أن ناخذَ المعلومات المتصلة بالوباء وسبل الوقاية من مصادِرها الصحيحة والمخولة، فمع وجود هذا الوباء ثمَّة وباء معلوماتي آخر يستفحِل في المجتمع العالمي، تقدَّمُ فيه معلومات مغلوطة وشائعات وأخبار مجهولة المصدر هدفُها الأساسي زعزعة الأمن الوطني وبثّ الذُعر والخوف في النفوس وإشغال الناس في حرف نقل وبث وتدوير هذه المعلومات إضعافًا للنفوس وللمجتمعات، وهذا أمرٌ آخر علينا أن نتوعَّى لضرَرِه وأن نكافحَة بمختلف السبل، فالخوف أن جائحة «كورونا» ستستمرّ في فرز تداعيات نفسية وعاطفية على الفردِ الذي بات يميلُ إلى العزلة والتّباعد، وهو ما أدّى إلى ولادة مشاعر القلق والخوف والتّردد، وهي كلّها نوازع نفسية ستكون لها تأثيرات على الصّحة العامّة بعد انتهاء الوباء وعودة الحياة إلى مسارها الطّبيعي، إذ أصبح العالم مقسّما إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل كورونا وما بعدها ».

محاربة الشائعة... مسؤولية جماعية

ويضيف د. غرايبة قائلا: «إن هذه المحنة ستُعلمنا دروسًا يجب أن نستفيد منها على كافَّة المستويات؛ لتزيد من مهنيتنا واحترافيتنا، أفرادًا وجماعات ومؤسسات على مواجهة مثل هذه الأزمات والجوائِح محليةً كانت أو عالمية. ومن جهة ثانية فان دور المسؤوليَّة المجتمعيَّة تجاه مكافحة تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، امر هام جدا فإحساس الجميع بأنَّ لهم دورًا وقائيًا وعلاجيًا وتوعويًا هو الواقي بإذن الله تعالى من أي خطر أو تهديد بالإصابة، كما أنَّ هذه المسؤولية الفرديَّة والجماعيَّة من شأنِها أن تخدم الأجراءات التي تقوم بِه الدولة ومؤسساتها المختلفة لمواجهة هذا الوباء العالمي، فمن دون دعم إيجابي من مختلف شرائِح المجتمع تكون هذه الإرشادات الاحترازية والوقائيَّة والإجراءات البديلة لصيرورة الحياة كُلها عقيمًة كشكل من أشكال المواجهة. وعليه، فإنَّ تفاعُل الجميع هام، ودور كُل شخص منا في أسرته أو منظمته أو حيَّه هامٌ للغاية، ومع تظافُر جميع هذه الأدوار في نطاقنا المجتمعيَّ سنُحقِّق مطلب الحماية والوقاية ثمَّ العِلاج باذن الله.

وأخيرا لا شك إنّ الأوبئة تؤدي إلى خلق بيئــة نفســية تهديدية بديلة عــن البيئــة الآمنة التــي كانــت تحيــا فيهــا المجتمعات، وتشتمل علـى عنصريـن؛ الأول هـو التحديـات التـي يواجهها الأفـراد أثنـاء الأزمة، كإرضـاء الاحتياجات، والتكيف مـع الضغـوط، والصمود أمـام خطـر الوباء؛ أمـا الثـاني فهـو الخيارات السلبية التـي يتعـرض لهـا الأفراد، كالصعوبـات والخسائر والمعانـاة، وغيرها مـن الخيارات التـي تولـد بيئـة مهدّدة للفرد، تساعد في خلـق بنيـة نفسيـة اجتماعيـة تهدد الفـرد ماديا ومعنويا تتعمق كلمـا طالـت فـترة الوبـاء.

إنّ «هيمنة جائحة كورونا على حياة البشر أفضت إلى تزايد الضغوط النفسية التي يواجهها الأفراد في دول العالم كافة، نتيجة حالة القلق المصاحبة لعدم اليقين ومخاوف العدوى وتأثيرات التباعد الاجتماعي والعزل الإجباري.وتقول دراسة في هذا الموضوع أن هذه التداعيات تعزز من أهمية التعافي النفسي عبر عدة آليات، من بينها معالجة الآثار النفسية المباشرة للوباء، وخلق مناخ عاطفي إيجابي، وتفكيك البنية النفسية والفكرية للوباء، وطرح الأفكار الإيجابية، وتحقيق الرفاهية النفسية عبر تقبل الذات والاستقلالية وخلق آليات نفسية للصمود المستقبلي، والانتباه الى إيجابيات الذاكرة الجماعية للوباء.كما توضّح أنّ «الجائحة النفسية غيـرت ملامح الخريطـة السّـيكولوجية للشـعوب، مـا يؤكـد أن هـذا الوبـاء لـه خصوصيـة تعكسـها أبعـاد اجتماعيـة ونفسـية»، اذ أنّ «عالمية الانتشار» و«أفقية التزامن» و«تعدد آليات العدوى» تشكل عوامل كرّست خطورة وباء «كورونا»، إذ أدّى الفيروس إلى دخول العالم في حجر صحي دون أن يعد العدة لمثل هذا التغير الجذري، ما نتج عنه توقف عجلة الحياة والإنتاج وتقطيع أواصر العلاقات بين المجتمعات».