عندما تجمّع آلاف الأردنيون في أقرب نقطة (مسموح بها) على الحدود(الوهمية) بين الضفّتين.."الحدود الأردنية الفلسطينية» كانوا يتدافعون لذلك تلقائيًا بلا تخطيط بلا برمجة. يقفز العربي الأردني من على مقعده أمام التلفاز وهو يتابع أخبار الأبطال الفلسطينيين أشقّاءه أهله عشيرته إخوانه آباءه أبناءه، تمامًا كمثلهم في عمّان السلط الكرك الطفيلة وفي كلّ مكان من الضّفّة الشرقيّة للنهر الخالد (الأردن). كان كمن على سطح من الصفيح الملتهب وهو يرى مئات من بني البشر من نفس فئة دمه..مدنيون كمثله.. رُضّع كأطفاله، وخالات له عمّات أمهات وأخوات؛ تدمر البيوت فوق رؤوسهم بوحشيّة وحش عملاق مارد كشف الأبطال حقيقته..
كان يقفز بوعي أو بدون، يحمل علمه على صارية رأسه، بألوانه.. أحمر كدماء الأبطال... أسود كواقع الأنذال.. أخضر كحقول مرج بن عامر وسهول مادبا.. أبيض كسرائر أمّهاتنا. لا يعي إلّا وهو يندفع يطلب الشهاده مع شهداء غرب الأردن من اللد أم الفحم نابلس القدس و...غزّه..غزّة. يحاول أن يقف معهم، ليصعد معهم إلى عليّين معًا، تماما كما في معيشتهم معًا نضالهم معًا في السرّاء والضرّاء على الأرض المباركة.
كانوا الاردنيون يندفعون بلا حساب، لم يتركوا للتروّي حسابًا في اندفاعهم. هم يعرفون أنّ من في فلسطين لكلّ منهم..منّا توأم، رجلًا كان أم امرأة، يريدون الوقوف معه ونصرته. لا فارق مهما السلاح الذي يحمله ولو سلاح حمل العلم أو التلويح به من بعيد أو شتم العدوّ ولعن سنسفيل أبي جدوده أينما وجدوا في غياهب التاريخ.
صمد الأهل في أرضنا هناك..هنا لا فارق. لم يتح له...هنا أن يبلغ السلك الشائك على الحدّ المزيّف..على النهر.كيف بل وكيف؟! يمكن أن يستوي يصمد يقف سلكً شائك بزوايا حديدية أو جدران من باطون (نجس) على قعر النهر..نهر الأردن وهو يهدر ويرفض الغرباء. لم تعتد الأنهار وأوّلها من صنع التاريخ-نهر الأردن- أن تلوّث مياهه بحواجز من أيّ نوع. هو يعشق الحرية واستنشاق نسماتها تصله من البحر الأبيض سيّد البحار، أو من رحم حوّامات المياه فيه من طبريا الحولة...اليرموك.
صمد الغزيون والمقادسة والنابلسيون واللداويّون والخلايلة والفحماويون وكلّ أهل فلسطين في وجه الإحتلال ومن خلفَه...طواغيت كثيرة. نعم ارتقى شهداء كثيرون منهم ملائكة رضّع وأطفال مشاريع رجال أبطال!!؛ لكن هو مهر الوطن. واستمرينا هنا في الشرقية من النهر في الأردن، نعوّض عن بعض ما عجزنا عليه من نصرة أهلنا عمليًا، وذلك بالهتاف ضدّ الإحتلال حول سفارته، لا يهمّ حتى وإن كان ذلك..أضعف الإيمان. فصراخنا يزعجهم. كذا وبالتدفّق كمياه النهر في شوارع الوطن كلّه وعلى خط النهر كلّه؛ نحمل الأعلام ونطلق أبواق مركباتنا احتفالًا ببطولة أهلنا هناك وصمودهم علّها تصل لسماء بيت المقدس..سماء فلسطين كلّها تزغرد...نحن معكم.
ويبقى النهر يجمعنا عكس كلّ أنهار الدنيا...هو يفيض في شراييننا، يكسبها قوّة واندفاعًا فلا ترى ترسّبات شاذّة تكلّسات، ترسبات معيبة تعيق اندفاع الدّم أحمر قانٍ، يجرف كلّ ما أمامه من أوهام ونوايا خبيثة وضعفاء معيقون معيبون وأهمّ الأهمّ.. الغرباء.