الشعب الفلسطيني كان وما زال يدافع عن أرضه ووطنه المحتل من الغزاة الإسرائيليين الغرباء منذ سنوات طويلة.. وذلك بكل أنواع المقاومة ومنها الثقافي والفني.. وها هو الفنان التشكيلي الراحل قبل عدة شهور «عبد الحي مسلم» سيجد سلام روحه عندما يعلم في عالمه السماوي الأبدي ان الشعب الفلسطيني ومعه الشعوب العربية الأبية قد هبوا للدفاع عن حريتهم واستقلالهم ووطنهم المقدس في فلسطين.
لقد كان الفنان عبد الحي مسلم يعيش يومه في محترفه الخاص بجبل القصور في عمان.. يعمل دون ملل ولكن بشوق ومتعة الراهب المتنسك.. غير ملتفت للسنوات التسعين التي اقترب منها والتي عاشها مبدعاً ومناضلاً وطنياً بأسلوبه الفني التشكيلي.
وقبل ان يرحل عنَّا في آب عام 2020 كانت حياته مليئة بالحيوية وروح الشباب لكل ذرات الحياة المتواصلة بالالتزام والعطاء الثقافي الفني بهموم ومشاكل وجماليات الشعب الفلسطيني والثري في اصالته الوطنية والتاريخية العريقة.
وهذا الفنان مارس الفن والتشكيل بدءاً من سن الاربعين ولم يدرس في اية مؤسسة اكاديمية.. انما انفجرت موهبته هكذا ليتخصص في ابداع اللوحات والمجسمات الشبيهة بالنحت.. التي كان يصنعها من مادة خاصة هي نشارة الخشب الناعمة مع الاصماغ.
وفي لقاء قديم مع الفنان عبد الحي قال لنا: هذا هو اتجاهي الفني المكون من البساطة والوضوح والدفء الشعبي, رغم كل الوقت الذي استنفده في انجاز بعض اللوحات, وان ما يهمني هو استقطاب التفاعل وجذب عيون واحاسيس المشاهدين لأعمالي, سواء كانوا عربا او اجانب, انها عملية تكريس مقصودة للوجود العربي على ارض فلسطين الحبيبة.
اما عن المشاهدين الاجانب لاعماله الشعبية وكيف كانوا يتفاعلون معها فقد اوضح: انها كما تكون القصيدة ملتزمة مع قضايا الانسان العادلة, فكذلك العمل الفني التشكيلي عليه ان يدافع عن الهوية والوجود.
الفنان عبدالحي يقوم بواجبه الوطني نحو قضيتنا العربية المحورية ألا وهي فلسطين الضاربة في ابعاد الزمن والتاريخ والارض.. فالاحتلال يعمل ضد الارض والتراث واصحابه المبدعين!! كمحاولة للادعاء بملكية الارض والبيوت وتراث الاثواب الفلسطينية المطرزة بالألوان!!.
لذلك فقد قام الفنان مسلم قديماً بجولة في بعض دول اوروبا عارضاً اعماله الشعبية الفلكلورية العربية هناك امام جمهوركان يشعر بالدهشة لخصوصية هذا الشعب العربي الصامد, عبر ملابسه النسائية والرجالية, ولحياته العريقة من اعراس ودبكات, واعمال زراعية من حصاد وقطاف, وجلسات عائلية حميمة, وبعض العاب الاطفال، وادوات المعيشة اليومية القروية من:
اثاث وادوات زينة وادوات منزلية, واكلات شعبية, كلها محملة بالعشق والحب والامن وراحة البال ورائحة التراب التي تحمل اثار الاباء والاجداد والتاريخ العربي القديم.
لذلك فان المشاهدين للوحات الفنان عبد الحي مسلم من الاجانب كانوا يتعرفون ويتفاعلون معها ومع قضايانا العربية اكثر من السابق.
وعن ادواته واسلوبه الفني في تحقيق لوحاته النحية تلك قال:
ان تقنية العمل لديَّ واضحة وبسيطة؛ فأدواتي هي نشارة الخشب الممزوج بالاصماغ والغراء, ثم الالوان الصريحة.. اما عن اسلوبي فهو الواقعي، حيث التركيز على المشاعر المحببة مثل العمل والابتسام والفرح والعلاقات الاسرية والاجتماعية القروية الحميمة.
وعن الوقت الذي يلزمه الفنان عبدالحي لانجاز عمل فني من اعماله فقد اشار الى ان عملية التلوين وبكل الالوان وبشكل دقيق وشبه منمنم يأخذ منه زمنا طويلا نسبيا؛ لانه يرسم تلك الزخارف التراثية الملونة على اثواب النساء الفلاحات في لوحاته ثم الرسوم الاخرى من بيئة القرية والحقول التي تحتاج الى تلوين متأنِ.
وبالنسبة لأعماله الاخرى الرومانسية والغزلية ولماذا لم يقم بتلوينها بل حرص الفنان المبدع على حصرها باللونين الرمادي والبني رجع بنا عبدالحي الى القديم والتاريخ وحالات وقصص الحب العذري الموجودة في حياتنا الادبية والفنية الشعرية. فمن ينس قصة الحب العظيمة التي دارت ما بين عنتر بن شداد ومحبوبته عبلة، ثم قيس وليلى! وغيرهما الكثير التي كانت تدور احداثها الواقعية والنفسية في جغرافيا صحراوية.
وهكذا فقد جاءت الالوان منها لتلائم الحقيقة، والواقع والتصوير الابداعي لتلك الاجواء, ثم لاعطاء دلالة ورمز العراقة والجدية لطرح هكذا مواضيع عربية خالدة في صدقها ومعالجتها الفنية والابداعية.
المرأة في أعماله
وحضور المرأة كان مكثفاً في أعمال عبد الحي مسلم؛ فهي الأسطورة والحبيبة والمناضلة والأم والأرض والوطن, وهي الحركة والاندفاع والصمود والرجوع والعتاب والجمال, وتكوينها عفوي وزيها فلسطيني، وملامحها كنعانية أصيلة.
والنساء في أعماله لهن قدرة لامحدودة، تجاوز آلام الواقع الفلسطيني وتقترب من نساء الأساطير، وفي عمل آخر إلى الثورة، وفي ثالث إلى العطاء.
فالمرأة هي الخصب والأرض والنضال، تحمل طفلها بيد وبندقيتها باليد الأخرى.. ويكتب الفنان عبد الحي في لوحاته الأشعار الشعبية وخاصة التي تجري على لسان النساء في القرية.
ويقول عبد الحي في أحد فيديوهاته: فعلاً أنا أقدر هذه المادة (نشارة الخشب) وكأنها نشارة من الذهب.. فقد تعرفت على هذه المادة عام 1970 عندما بدأت حياتي الفنية، وجاءت من قبيل الصدفة والممارسة.
ومنذ ذلك اليوم وللآن لم أستعمل أي مادة بديلة عنها، حيث وجدتها مادة جميلة وطيِعة, ألوِّنها بعد إنجاز العمل أو أتركها على طبيعتها.
هذه هي التقنية التي أستخدمها لأنجز أعمالي الفنية، وهي عبارة عن نشارة الخشب ممزوجة بالغراء الأبيض وأقوم بتشكيلها على قطعة خشب تكون محضرة مسبقاً.
ويقول الفنان عبد الحي: بخصوص هذه التقنية لم أصادف أحداً من الفنانين الذين التقيت بهم في الوطن العربي أو في العالم يستعمل التقنية بالشكل الذي استعمله، ربما أن أناس يستعملونها ولم يحالفني الحظ بلقائهم.
تعريف بالفنان
عبد الحي مسلّم زرارة ولد في قرية الدوايمة في الخليل عام 1933 وتوفي يوم 1 آب 2020 في مدينة عمّان.
وكانت محطته الفنية الأولى في طرابلس الغرب، فبيروت ودمشق، ثم متجولا بمعارضه في أنحاء شتى من العالم العربي والعواصم العالمية، حتى رجع مستقراً في الاردن ولقيم عدة معارض للوحاته في عمَّان في السنوات العشرين الماضية.
وسبق له أن أقام أكثر من 35 معرضاً فردياً عربياً وعالمياً.. وكتب عنه العديد من الصحفيين والنقاد في الصحف والمجلات العربية والأجنبية, حيث تناولوا تكنيكه الخاص باستخدام خلطة من نشارة الخشب والغراء الذي صنع منه الفنان أجمل لوحاته.
وكان الفنان مسلَّم مكونا شبكة من العلاقات الفنية على امتداد الكرة
الأرضية، وملاقيا الترحيب والاحتفاء بأعماله الفطرية الصادقة، التي تتسلل إلى النفس أيا كان انتماؤها بيسر وسهولة.