تَذكُرون عندما كانت «القضية الفلسطينية» تتصدّر جدول أعمال معظم الدول العربية (بافتراض الجدِية وصِدق النِيَّات والسياسات, وتطابق القول مع الفعل)..تذكرون – أيام زمان – عندما كان عرب تلك الأيام يتداعون لقمة عاجلة, كلما شنّ العدو الصهيوني عدواناً عسكرياً أو اتخذ قراراً يمس «ثوابت» الحقوق الفلسطينية/القومية او انكشفت إحدى مؤامراته لبث الفوضى والاضطرابات في أقطار عربية تناصبه العداء, او ترفض الانجرار خلف محاولاته استدراج او الإنفراد بدولة عربية كي «تُطبّع» معه, كمقدمة لإحداث شرخ في مواقف عربية شبه متماسكة (ظاهري?ً على الأقل) ترفض التطبيع والتفاوض والإعتراف بالكيان الغاصب.

ذلك كله بات من «الذكريات", ولم يعد في نظر بعض العرب يتلاءم مع التفكير الواقعي وثقافة الحوار مع الآخر وغيرها من مصطلحات المُستشرقين, الذين تكاثروا في الفضاءات العربية واحتلوا فضائيّاتها وراحوا يبشروننا بشرق أوسط جديد, ينهض على التعاون والحوار والاعتراف بإسرائيل (لم يحددوا حتى الآن بأي إسرائيل يعترفون) وتنازلهم» عن «حق العودة", كون «أرض إسرائيل» لا تحتمِل عودة هذه الملايين الفلسطينية اللاجئة/المُهجَّرة. وترافق ذلك مع سيل لا ينتهي من «المبادرات العربية» التي وصلت تنازلاتها حدوداً لا يُصدّق أحد, أن لمعظم عرب ا?يوم صلة بالتاريخ او الجغرافيا, خصوصاً في ضحالة وضآلة وضلالة إدراكهم لمخاطر مخططات الصهيونية العالمية, الرامية جعل إسرائيل القوة الإقليمية الكبرى المُولَجة أميركياً/غربياً قيادة المنطقة وكتابة جدول أعمالها, وتكريس أَسرَلتِها وتَطوّع المتصهينين العرب لإعلاء شأن الرواية الصهيونية/العنصرية/الاستيطانية/الاحلالية, تحت ذرائع وخزعبلات مُفبركة, على تعارُض مع حقائق الجغرافيا والتاريخ وخصوصاً الهوية القومية.

ما علينا..

مؤسسة القمة العربية استنفدت اغراضها, وباتت في حُكم الميت الذي يتوجّب الإسراع في دفنه, ليس اكراماً لها بل تخلّصاً من عبء تبِعاتها وانعدام قدرتها على مواجهة استحقاقات وجودية, تعني ضمن أمور أخرى البدء بإعادة تعريف العدو, وكتابة جدول أعمال جديد ينهض على منح الأولوية للمصالح القومية الجامِعة, كرابط أقوى للتقليل من فاتورة تغوّل المصالح القُطرِية, التي غدت أولوية مُطلقة لدى معظم الأنظمة العربية, على نحو لا يُصدّق أحد أن رابط «العروبة» يجمع بينها, أو ثمة مَن يكترث بتقديم القومي على القُطرِي في ملفات عادية, لا تمسّ?القرار «السيادي» المزعوم, او تُسهم في تعكير صفو علاقاتها مع دول صديقة/حليفة لها كدولة العدو الصهيوني, ناهيك أميركا ودول الغرب الاستعماري, ودول إقليمية يتغوّل مُعظمها على الحقوق العربية, ولا يأبه ببياناتها صاخِبة اللغة والمفردات, فارغة القدرة على لجم الإنتهاكات والإجتياحات.

ليس القصد إبداء الحزن ورثاء مؤسسة القمة العربية, او لفت الانظار الى ضرورة انعقاد قمة عربية طارئة في هذا الزمن العربي الرسمي الرديء, بقدر ما هو «نعي» لهذه المؤسسة وإشارة الى نظام عربي متداعٍ على شفا الانهيار. ليس لان موعد قمة دورية كانت الجزائر ستستضيفها/آذار2020 تم تأجيلها بسبب كورونا, كي تُعقد آذار 2021 وإنما لأن رائع القمم الطارئة/الدورية انتفت, بعدما شكّلت القضية الفلسطينية «غطاء» لفشل متواصل لمؤسسة القمة. وها هو شعب فلسطين والشعوب العربية اعادت القضية الى صدارة الأحداث, وأجبرت الجميع على الإعتراف بأنها?قضية عصية على الموت والتجاهُل, رغم صخب المطبعين وعناق المتصهينين العرب العدو الصهيوني, ومنحهم اشرعته الإستيطانية/العنصرية/الإستعمارية المزيد من الرياح, لاستكمال تهويد القدس والإطباق على فلسطين التاريخية..أسرَلَة وصَهّينة وعنصرِية.

kharroub@jpf.com.jo