سليم النجار (كاتب وناشر أردني)

من حقنا أن نتأمل ذاكرتنا الثقافية عبر الفن الروائي العربي؛ فهذا التأملُ مستمرٌّ منذ فترات سابقة؛ بل لربما يمكن القولُ بأنّ التأمل فيها لم يتوقّف في كل لحظة من لحظات الأزمة.

تأملٌ في الذاكرة الثقافية بأسماء متباينة كما في رواية ديما الرجبي (ضجيج الفراق) الصادرة عن دار ورد للنشر والتوزيع؛ فقد خزنت الروائية الذاكرة لإلغاء لا يقاوَم، وإلى شمس لم ترتفع بما يكفي لكي نُعلن الغروبَ.

إلى هذا الحدّ صنعت الكاتبة ذاكرة روايتها؛ قوارير مملوءة برماد ما نحرقه علانية وبشراسة. مشاهد الإحراق تختفي تحت الكلمات: «أقام الناس على جانب الطريق أكشاكا تعبق من أقدارها، روائح تحمل امتزاج أرواح جميع عباد الأرض، شاهدت أطفالا يتقافزون، يمارسون أحلامهم على جنبات الطرق، ولا يعترفون باختلاف الليل والنهار!» (ص25).

الكلمات في «ضجيج الفراق» تعجزُ عن إخفاء قتلاها، تتكرّر المشاهدُ بألم وأناقة في الوقت نفسه؛ إذ الشراسةُ تتعلّم من مكر صناعة القتل. في كلّ مرة تخرج علينا بتقنيات جديدة متطورة متولدة من خبرة تتراكَمُ من شحذ النفوس المريضة بذاتها قبل أن تكون مريضةً بزمنها: «فقط لو كنتَ رجلاً بما يكفي لتتوقف عن الحديث بهذه الطريقة المثيرة للشفقة، لماذا لم تجعلني صاحبة القرار؟ لماذا تعلقت بي عندما قررت الرحيل عنك، لماذا يا جبان؟ ألم تنته بعد من تجربتك؟ ألم تكفك الخبرات التي تعلمتها على حسابي؟» (ص65).

لا شك في أن هذين الحدّين يطرحان علينا أسئلة لا نعثُر على جواب عنها. أو نحنُ بكل بساطة منصرفون عنها ما دامت لا تمس مباشرةً وعينا الوهمي؛ فخطاب السرد في رواية «ضجيج الصمت» ينتشر بوتيرة شبه متوازية؛ ويهبّ علينا ريحاً مقلقة، ثم ينزل من أعالي الجبال في شكل سيول تجرف معها الحجارة والأشجار مثلما تجرف الدوابَّ والآلات والبيوت بأهلها: «لكنه كان مميزا بينهم بالمعاملة من والديه، عانى يزن في حياته الكثير، كان يحدثني عن حوادث مرعبة أصابته: حريق، سقوط، تهشيم، حروب. لم تكن حياته سهلة لكنه متصالح مع الأقدار وهذا ما جعل صد?ه يتسع لي» (ص117).

تسعى الكاتبة لتمهيد المتلقي لدخول الأعاصير المفاجئة له؛ وهو الذي لم يتهيأ بعد بما يكفي وهو يقرأ الرواية لاستشراف أحوال الطقس للسرد بسرعة تفوق توقعاته: «تفاجأت بأنه على امتداد عمر علاقتنا لم يفوّت يوما أو ساعة أو دقيقة إلا كان متاحا لي حتى وإن أشغله العمل أو الظروف العائلية، مع هذا لم أكن ممتنة له على هذا الأمر، بل شعرت بأنه يجب عليه أن يبقى هكذا، ملتصقا بي ولا يغيب أبدا!» (ص93).

كما أن الروائية جاهدت لجعلنا نبحث عن معنى جديد للانشقاق، لكثرة الانشقاقات التي مرّت في الرواية، ولكثرة تفجر المعاني والدلالات من سطح جوفيّ لا نعرف بالضبط كيف انبثقَ: «كيف يدق عنق العمر؟ كيف نؤخر المضيّ بعيدا عمن نحيا لأجلهم» (ص129).

هذا المعنى المتداول لكلمة الانشقاق.. الانشقاقات، لا بد من مواجهته كعائق لتكوين معنى مغاير ينتقل من الحقل السياسي إلى الحقل الروائي. حيث حاولت الكاتبة فعل ذلك عندما بدلت بالمعنى المتداول معنى مغايرا لا يدل على إلغاء المعنى المتداول دائما. والمقصود هنا هو الانتقال إلى معنى يختصُّ بالحالة الإنسانية التي تبقى في حالة انتظار وتلبس: «اسمي.. مريم؛ طالما حملت ثقل اسمي وتحملت عبء تفاصيله التاريخية، وأحببت حجم النقاء به، لكنني لم أقتنع به كاسمٍ يشبهني» (ص13).