سبق الإشارة في مقال سابق إلى أن تعدد الجهات التي تتصدى لعقد نقاشات وحوارات وطنية حول تعديل التشريعات السياسية من شأنه أن يحدث حالة من الإرباك السياسي والشعبي، وأن غياب التنسيق بين هذه الجهات سيزيد من فرص التعارض في مخرجاتها النهائية.

ولا تقف المخاوف عند هذا الحد، بل تتجاوزه في مضمون الحوارات التي تُجرى والأفكار التقليدية التي يتم طرحها على طاولة النقاش. فالمشاركون في هذه الاجتماعات ينتهزون الفرصة لكي يوجهوا سهام نقدهم إلى القوانين السياسية ذات الصلة، وفي مقدمتهم قانون الانتخاب، متمسكين بأن العائق الرئيسي أمام التنمية السياسية وتطبيق الحكومة البرلمانية هو تشريعي محض.

لقد طبق الأردن خلال مسيرته الديمقراطية الحديثة كافة الأنظمة الانتخابية الأساسية التي يعترف بها فقه القانون الدستوري، ابتداء من نظام الأكثرية في الصوت الواحد، ونظام التمثيل النسبي المطبق حاليا، والنظام المختلط القائم على أساس المزج بين النظامين السابقين. وفي جميع الأحوال لم تنجح أي من هذه الأنظمة الانتخابية في تحقيق الغاية المنشودة من الإصلاح.

إن ما نشهده اليوم من جهود إصلاحية تقليدية قد شهدنا مثلها في السابق في حوارات ولجان وطنية، حيث كانت مخرجاتها تنعكس حصرا على إجراء تعديلات متلاحقة على قوانين الانتخاب، اقتصر جُلها على تغيير الأنظمة الانتخابية المطبقة. فجرى تجربتها كلها، إلا أن المخرجات كانت وستبقى كما هي، مجالس نيابية قائمة على العمل الفردي. فكانت النتائج وخيمة بأن اتسع نطاق اللاثقة في المؤسسة البرلمانية، والذي امتد نطاقه فيما بعد إلى باقي السلطات الدستورية والهيئات الوطنية.

إن أي تعديل تشريعي على قانون الانتخاب لن يحقق الرؤى الملكية ما لم يتغير النهج الإصلاحي التقليدي ليشمل عناصر أخرى تخرج عن إطار النظام الانتخابي، ولها صلة مباشرة بمخرجات العملية الانتخابية. فالثقافة السياسية لدى المرشحين عنصر أساسي يجب تنميته والعمل على تعزيزه، وبأن أي نظام انتخابي سيطبق يجب أن يكون الأساس فيه العمل البرامجي الوطني وليس الخدماتي المحلي. فإن أبقينا على نظام التمثيل النسبي أو اتجهت البوصلة نحو إعادة القوائم الوطنية، فإنه يتعين على المرشح أن يعي أن تشكيل القائمة الانتخابية يجب أن يكون بعيدا عن إطار الجهوية والمناطقية، وأن يستبدل هذه العناصر بالبرامج والخطط الوطنية، والتي دائما ما يفضل أن تكون نابعة من أساس حزبي منظم.

وفيما يخص جمهور الناخبين، فلا بد من تركيز الجهود على عمل توعوي وطني قوامه أن الانتخابات النيابية هي ليست فرصة لتحقيق مكاسب محلية أو مناطقية ضيقة، وبأن الفوز بالمقعد الانتخابي يكون للوطن وليس للمنطقة الانتخابية. فالاختيار بين القوائم الانتخابية والمرشحين فيها يجب أن يكون على أساس المصلحة العامة التي تظهر جليا في قدرة القائمة الانتخابية كوحدة واحدة على العمل والتغيير، ويفضل أيضا أن يكون على أساس حزبي برامجي.

وفي ظل غياب هذه النقاط عن الحوارات الوطنية التقليدية ستبقى التنمية السياسية في الأردن تراوح مكانها، وسيبقى هاجسنا الأساسي النظام الانتخابي والمفاضلة بين التمثيل النسبي والقائمة الوطنية وعدد المقاعد المخصصة لها. لذا، فنحن بأمس الحاجة اليوم إلى إصلاح سياسي غير تقليدي يمتد نطاقه ليشمل كافة مرتكزات العملية الانتخابية، والتي هي القانون والمرشح والناخب.

laith@lawyer.com