من بين أوراق ووثائق المئوية، التي تروي جانباً من سيرة ملوك بني هاشم في الدفاع عن القدس، رسالة الملك الحسين بن طلال (طيب الله ثراه) إلى رؤساء الدين المسيحي، وأهمية هذه الرسالة، في أنها تشرح أبعاد الموقف الأردني بعد خمس سنواتٍ من احتلال الضفة الغربية والقدس الشريف.

الرسالة التي بعثها الملك الحسين بن طلال، جاءت بتاريخ الخامس من نيسان عام 1971م، وهي موجهة إلى قداسة البابا بولص السادس، وقداسة البطريك المسكوني في أثينا غورس ونيافة الكردينال بولص بطرس المعوشي بطريك أنطاكيا وسائر المشرق، ورئيس أساقفة كاتنبري.

ويقول الحسين في رسالته «أبعث لقداستكم أصالة عن نفسي ونيابة عن حكومة وشعب المملكة الأردنية الهاشمية باحترامنا وصادق تقديرنا وأطيب تمنياتنا وبعد، انني إذ أوجه هذه الرسالة لقداستكم فبروح المؤمن بوحدة هدفنا في قيام السلام القائم على العدل في المنطقة التي نعيش فيها والعالم أجمع ولما نعرفه عن الجهود الكريمة الدؤوبة التي تبذلونها فيما يعود على بني الإنسان بالخير والتآخي والاطمئنان».

ويخاطب الحسين رجال الدين المسيحي، من منطلق حرصهم على القدس، بقوله «إنني أعرف الناس بالمكانة التي تحتلها المدينة المقدسة في قلبكم الكبير وسائر الأماكن المقدسة والأرض، وشعبنا الواحد الذي يعيش منذ حزيران عام 1967 خلف أسوار الاحتلال الإسرائيلي ويعنيني هنا وبشكل خاص وضع القدس العربية بالذات، التي نبهنا منذ احتلالها ولا زلنا الى أهمية عدم المساس بها بما يؤثر على طابعها ويسيء الى واقعها، فالإساءة إلى حقوق المؤمنين بالله فيها من أتباع الديانات السماوية العظيمة وبخاصة المسلمين والمسيحيين في كل ما هو قائم لهم فيها عبر التاريخ وما تشرفنا بحمايته لهم في السنوات الطويلة كانت امتداداً طبيعياً لم استمر لأكثر من ألف عام وفي غمرة نضالنا من أجل استرداد الأرض العربية المحتلة ليقوم من ثم السلام العادل حيث الخيار أمام إسرائيل هو بين تحقيق السلام او احتفاظهما بالأرض المحتلة وضياع فرص تحقيقه بما يحمله ذلك من خطر ماحق على الجميع في المنطقة والسلام العالمي بأسره».

وتواصل الرسالة القول «أفردنا لموضوع المدينة المقدسة كل اهتمام ونقلنا الى الأمم المتحدة والمحافل الدولية والجهات الصديقة مراراً وتكراراً شكوانا واستنكارنا المطلق لما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي في المدينة وفي حقنا جميعاً من أعمال وإجراءات وسن لقوانين تستهدف تهويد المدينة المقدسة وإلحاق الجزء المحتل بالدولة الاسرائيلية، وقد شجبت الامم المتحدة في مرات متعددة تصرفات السلطات الاسرائيلية وطالب العالم بتوقف تلك السلطات عما كانت تفعل وتأتي مرات ومرات».

وتضيف الرسالة بالقول «إن المدينة المقدسة تتعرض الآن لعملية تهويد شاملة تسير بخطوات حثيثة سريعة فعمليات الاستملاك القسرية لمساحات شاسعة من الأراضي العربية المحيطة بها تتم باستمرار وبناء الآحياء السكنية الضخمة فيها يزداد ولا ينقطع بل ويتضاعف وكذلك الضغوط على المؤسسات في المدينة المحتلة على تنفيذ تعليمات سلطات الاحتلال وتهجير أبنائها المسلمين والمسيحيين بسبب شتى أنواع الضغوط التي تزداد وأن يمضي وقتٍ طويل على هذه الحال إلا ويتم خنق مسيحييها ومسلميها وتتحول أقداسنا إلى متاحف أثرية للسواح وذلك على حساب طابعها الروحي المميز».

هذا التحذير من قبل الملك الحسين، جاء لثقته بضرورة بناء موقفٍ يصون المدينة المقدسة وهويتها «إنني لواثق تماما بأنكم تدركون أن السلام لن يتحقق ولا يمكن أن يتحقق للمنطقة وللعالم ما لم تنقذ القدس من هذا العبث الفاضح الصارخ بحقوقنا جميعا فيها وتصان هذه الحقوق ونحن من جانبنا، نفضل أن نموت عن بكرة أبينا على أن يسجل علينا التاريخ، إننا لن نتهاون في ذرة من حق المسيحيين والمسلمين في المدينة المقدسة ومن حق المجتمع الانساني بأسره».

وتحث الرسالة على التحرك لإنقاذ هوية المدينة، بالقول «إننا نستصرخكم أن تقولوا كلمتكم في ما يجري في القدس قبل فوات الأوان وأن تقولوا للملايين في هذا العالم الواسع لتعرف الحقيقة وتقف على رأيكم في ما هو واقع وفيما يجب أن يكون أمام الله والتاريخ والناس أجمعين».

وتواصل الرسالة شرح جهود الحسين آنذاك للحفاظ على هوية المدينة، بقوله «أما أنا فساواصل اتصالي بكل المؤمنين وبحكومات الأرض والشعوب أداءً للواجب وفيما يتعلق بالسلام فالقدس في نظرنا درته وهو لن يتحقق إلا من خلال صون كل حقوقنا فيها وفي انحسار الاحتلال كليا عن كل ما احتل منها في حزيران 1967 مع تاكيدنا عزمنا على الإسهام من ثم في جعلها مدينة المؤمنين بالله جميعاً وصون حقوقهم في مقدساتهم ووصولهم اليها جميعاً».

وعن مسألة التدويل للمدينة، وهو طرح كان على الطاولة بقوله » إنّ التدويل امتدادا لما جاء في قرار الامم المتحدة بالتقسيم عام 1947 فالحد الذي يمكننا البحث في قبوله هو تدويل كل القدس بشقيها العربي والاسرائيلي وتنفيذ كل ما جاء في قرار التقسيم المشار إليه».

وتضيف «تدويل الأماكن المسيحية والاسلامية فقط في مدينة مهودة، مخنوقة فيها تلك الأماكن من قبل اسرائيل والتفريط بشبر من أرضنا التي احتلت في حزيران 1967 وحقنا المشترك الكامل فيها فهو ما لن يتحقق ما دمنا أحياء."

لقد حث الملك الحسين في هذه الرسالة رؤساء الدين المسيحي على مؤازرة الموقف الأردني، إيماناً بعدالة هذا الموقف، «واعتماده يثبات متناه لن ينقطع».

وختمت الرسالة بالقول «إنما نفكر بمستقبل المنطقة والسلام فيها والعالم بأسره»، بما يعبر عن موقفٍ أردني موصول لطالما أكّد أنّ لا سلام في المنطقة دون تحقيق العدالة للقضية الفلسطينية ودرتها القدس الشريف ومقدساتها.

أهمية هذه الرسالة، في أنها جزء من خطاب ودور أردني مستمر لملوك بني هاشم حتى اليوم، بما يحمله جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، من دور موصول حتى اليوم، يحذر من المساس بالقدس وهويتها، وخطورة غياب حل الدولتين.