د.نادية هناوي (ناقدة عراقية)

تعني النسوية العمومية مركزية النسوية في تعاطيها الفكري والإجرائي مع الآخر الذي بتنازله عن مركزيته ستتحقق المهادنة بالتصالح والتساوي والتفاهم تحرراً من كل نزوع نرجسي أحادي أو أي إحساس انفرادي تجزيئي في النظر للذات والآخر مع نبذ التفردن والعدوان والتعالي وبفاعلية إنسانية ذات ممارسات تقويمية وإصلاحية وتوجهات نافعة وجمالية.

ولا تريد النسوية بعموميتها مصادرة ذاك الذي صادر مركزيتها، ولا إقصاء من حاول إقصاءها، ولا انتزاع الغلبة ممن استعبد كيانها واضطهده؛ وإنما هو تطامن وتصالح وتضامن وتشارك بفاعلية ليست عدائية استعلائية ولا هي انحيازية استقطابية أو انتهازية عدمية.

وبذلك تُنتفى الأفكار التي يحاول بعض دعاة النسوية وربما بعض معارضيها توكيدها وهي أن الذكورية وسيلة النسوية لبلوغ أهدافها وفي مقدمة تلك الأهداف المركزية التي لا تبغيها النسوية العمومية ولا تحبذها. فهدفها يتجلى في عمومها الذي فيه تتمكن المرأة من فهم دورها وإدراك مكانة ذاتها، وأن لا أهمية لهذا الذات من دون وجود الآخر معها، وأنهما الاثنان الذات/ الآخر هما العموم الأهم الذي بعدهما يأتي أي عموم مهم آخر.

وبهذا تغدو النسوية العمومية تأسيسا ترابطيا وتشكيلا متكاملا، فيها الواحد هو المجموع والمجموع هو الواحد على طريق ممتد شائك وطويل تستعيد فيه الإنسانية تكامليتها التي عرفتها في فطرتها الأولى حين كانت الروح الجماعية هي أساس الفعل البشري الذي منه تكونت أولى الأفكار وتشكلت الأساطير والخرافات ومورست الطقوس والعبادات وصار بعض منها بمثابة تقاليد وأعراف تحفر أخاديد تتناسل من جيل إلى جيل في الذاكرة الجمعية اللاوعية للبشرية.

وهكذا تشكلت الدول وتأسست الدساتير والهدف الإنساني واحد، تجسده البشرية فعليا من خلال ما شيدته من حضارات وأمجاد وما حققته من إنجازات وإبداعات عادت على الإنسانية بالخير والنفع والجمال والألفة والفطرة والفضيلة التي بها توافق الإنسان مع الطبيعة. بيد أن بعض ذلك التحقق آخذ بالاندحار أمام نزعات التفردن والغلبة ورغبات الهيمنة والاستحواذ فأخفقت البشرية في عمومية تكاملها لتعيش حالة احتراب دائم وتنازع مرير، عليه تشهد صفحات التاريخ البشري العتيد.

ولكثير من الناقدات العربيات أفكار رؤيوية عمومية وهن يمارسن إجرائيا نقد النصوص الأدبية والنقدية، وليس لديهن في تلك الأفكار فرق بين أن يكون منتج تلك النصوص مبدعا أو مبدعة. وهذا ملمح مهم من ملامح الوعي النظري بالوظيفة النقدية التي فيها المرأة المبدعة لا تقل شأنا عن الرجل المبدع على أساس أن الإبداع الكتابي في جوهره واحد وإن اختلفت الهوية الجنسانية لمبتدعه.

ومثالنا على هذه الروحية الرؤيوية الإجرائية الواعية الناقدة خالدة سعيد وكتابها «يوتوبيا المدينة المثقفة» الذي فيه تؤشر على تشكيلات ثقافية عربية ومشاريع فنية تـأسست ونمت بناء على فاعليات ذات استراتيجيات مرسومة على وفق تطلعات ومسارات، وصفتها الناقدة خالدة سعيد بأنها يوتوبية أفلاطونية بوصف اليوتوبيا فكرة تطلعية ومشروعا تنمويا به تنبني المدينة المثقفة، أي المدينة التي تنهض على الفكر والقانون والمعرفة والحياة في الإبداع.

وكان لهذه الرؤية الانفتاحية أن تكون أكثر عمومية لو أن الناقدة وسعت أفق بيانها والتمثيل عليها عربيا ولم تقصرها على خمس مؤسسات أو تشكيلات لبنانية (الندوة اللبنانية، اللقاء الفيروزي الرحباني، مجلة شعر، مجلة مواقف، دار الفن والأدب) وأصحابها المؤسسين لها لبنانيون (ميشال أسمر، ويوسف الخال، وأدونيس، وجانين ربيز، وسعاد نجار). وكل مؤسسة من هذه المؤسسات الخمس معنية بالثقافة ولا تفرِّق بين المرأة والرجل؛ بل هي تستقطب أصحاب وصاحبات الفكر المناهض للاتباعية والتقليدية.

وأول تشكيل ثقافي وقفت عنده خالدة سعيد هو «الندوة اللبنانية»، وخصت بالنقد الجلسة التي عقدتها هذه المؤسسة للكاتبة ليلى البعلبكي وفيها قدمت محاضرتها «نحن بلا أقنعة» عام 1959 وطرحت فيها «بيان الجيل المتمرد الذي يعي وجوده ويطلب حريته فيرفض سلطة الكبار من الآباء». وعن هذا البيان تقول الناقدة: «صاغت ليلى بعلبكي هذا البيان بلغة غريبة تماما عن لغة محاضري الندوة بل عن اللغة المكتوبة التي نعرفها. لغة تغرف من المفردات والتعابير المحكية من لهجة الجيل الشاب ومصطلحاته في شكل خاص.. لغة نزقة متوترة حافلة بالتشابيه الغريبة»? وإعجاب الناقدة بالمحاضرة يأتي من باب الاستباق الذي حققته ليلى بعلبكي وهي تتنبأ بثورة طلاب أو شبان ستتحقق في العالم بعد عقد كامل من إقامة الندوة.

ولا يخفى ما أرادته الناقدة من تأكيد دلالات ترشحت من إشارة بعلبكي إلى سقوط الأقنعة التي تعني أن لا تجزئة في قضايا الحرية أو الفصل بين المقموعين كما أن في سقوط الأقنعة دلالة فكرية على أن أي حقيقة ومنها الحقيقة النسوية هي عمومية في جوهرها قبل أن تكون عمومية في ظواهرها. ومن ثم لا نستكثر على النسوية أن تكون متنبئة بالقادم ومستبقة في طرح رؤى جريئة تؤكد عمليا أهمية الخروج من شرنقة المطالبة الجزئية المتمثلة بتحرير المرأة إلى إطار عمومي يكشف عما تعانيه النساء داخل النظام الذكوري من أنماط شتى من التعسف والقمع والاضط?اد والكبت.

وتقف الناقدة عند شخصية فنية تدعم الطرح النظري السابق، هي فيروز، وتصفها بـ «فردوس لبناني مفقود ويوتوبيا القرية اللبنانية» على غرار «المدينة الفاضلة» لأفلاطون. ولا تتوانى من القول إن فيروز في هذا الفردوس هي المؤنث الذي اختير بطلا، وإن هذا البطل المؤنث استطاع فرض حضوره وتوكيد موقعه في هذا المشروع الفني، واجدةً في فيروز التكامل بين المواهب الصوتية الطبيعية والثقافية الفنية وبين النزوع بسبب ما تميزت به فيروز من رؤية عميقة إلى الفن كلحظة تآلف عليا بين الوجوه الموسيقية والشعرية.

ومن الشخصيات النسوية التي وقفت عندها الناقدة، جانين ربيز، المبدعة التي كان لها حضور واضح في لبنان وهي التي مسرحت الثقافة وجعلتها نوعا من معايشة يومية وجزءا من نسيج الحياة، وقد وصفت الناقدة هذا الفعل بـ» أنه نمط مختلف من التفكير في الثقافة». وتأتي بعد جانين سعاد نجار التي وصفتها الناقدة بـ «عبقرية التعاون والرعاية» لكونها انخرطت منذ نهاية الخمسينيات في حركة المسرح الجديد لتكون الشخصية الرصينة التي كرست حياتها مؤمنة بفعل الثقافة التي هي عندها فعل جماعي. هذه الجماعية التي لا يخفى ما فيها من العمومية بعيدا عن ?لحصر والتخصيص والذوتنة والتحديد.

إن هذا التوجه المتفاوت فكريا يتلاقى ضمنيا مع حقيقة أن النسوية في جوهرها عمومية وهي بسمتها الأنثوية والأمومية ذات صيغ ورؤى فيها يغدو العالم واحدا والذات متّحدة. ولعل المفارقة في هذا التحصيل تشي بأن الذين تعاطوا الممارسة النقدية وأولئك الذي تعاطوا التنظير الفلسفي هم أكثر قصدية ودلالية على النسوية العمومية من أولئك الذين خصصوا كتاباتهم في النسوية وأعلنوا عبرها مناصرتهم المرأة ومؤازرتهم النسوية.

وإذا ما بحثنا عن تعليل لهذه الظاهرة فسنجده كامناً في حقيقة أن الفريق الأول يدرك ألا مجال للإفراط بعمومية لا تخصيص فيها لمؤنث أو مذكر كما لا مكان فيها لموالاة أو مناصرة وإنما هي سياقات الحال والمآل اللذين يفرضان على الباحث أو المفكر أو الناقد أن يكون في صف المقهورين مدافعا عن حقوقهم وذائدا عن حياض وجودهم. ولوجدنا أيضا مخالفة الفريق الثاني للأول في كونه يناصر طرفا ويعادي آخر ويفصِّل في جزء ويتجاهل غيره، محاذيا هذا ومتطرفا مع ذاك.