أبواب - زياد عساف

«مش بَعَيِّطْ على رمضان.. بَعَيِّطْ على أكلاته» هذا هو لسان حال من لا يرى في رمضان سوى موائده العامرة بما لذ وطاب خلافاً لبقية شهور السنة،ويتجدد هذا الشعور في كل عام مع افتراب شهر الخيرات على الرحيل وغاب عن أذهانهم أن الموائد الرمضانية تتجاوز الإستجابة الملحة للطبيعة البشرية وغرائزها إلى كونها المعادل الموضوعي لإحياء القيم الإنسانية والروحية ومراّة عاكسة لهويتنا الثقافية والوطنية، الدلائل على ذلك كثيرة والأغاني خير دليل ما يتطلب عودة أخرى للغوص في أغاني رمضان زمان الراسخة في الوجدان وما أكثرها وأجملها.

قرقيعان..

لا يخف على كل متأمل أن موائد رمضان تمثل ركناً أساسياً متجذراً في تراثنا العربي الغنائي ولا تقل أهمية عن المظاهر الأخرى التي تميِّز هذا الموروث وتغنى بها كثيرون مثل الإحتفال برؤية الهلال ومدفع رمضان وشخصية المسحراتي والحكواتي والتحف والصناعات التراثية الخاصة بالشهر الفضيل كالفوانيس والزينة المعلقة في الحارات والشوارع، والأمثلة بهذا الصدد كثيرة ونُعَرِّج بداية على الكويت إذ يزخر التراث الغنائي الكويتي بالعديد من اللوحات الغنائية النسائية التي تصور طقوس تحضير ودق (الهريس) الأكلة الرمضانية الشهيرة المصنوعة من ?لقمح، وعودة المهنا واحدة من المطربات اللاتي قدمن هذه اللوحة بمصاحبة الفرقة النسائية الخاصة بها، وهذا ما ينطبق على الأغنية التراثية (قرقيعان) وهي نوع من الحلوى ومأخوذة من (قرع) إذ يرددها أطفال الكويت وهم (يقرعون) أبواب بيوت الحي في منتصف رمضان يطلبون الحلوى المعبأة في أكياس، والزلابية واحدة من مكوناتها ويرددون معا:

» قرقيعان قرقيعان بيت كصير برميضان

عادت عليكم صيام كل سنة وكل عام ».

تمرية نابلسية..

فلسطين هي المحطة الثانية، فـ«التمرية النابلسية» واحدة من الحلويات الرمضانية العريقة ونالت حظها من الغناء كباقي أصناف الطعام والحلويات الأخرى تأكيداً للهوية المستمدة من التراث الفلسطيني خاصة بعد أن أخذ الكيان المحتل ينسب لنفسه حتى الأكلات الفلسطينية المتوارثة عبر التاريخ ولهذه الغاية تغنت المطربة الفلسطينية الراحلة ريم البنا ب(التمرية)عبر استعادتها للأغنية التراثية القديمة:

«يا ستي العرجا مفتاحك طبنجة

خبوه ورا الصندوق أجا خالي سرقه

خالي في البرية عم يوكل تمرية

قلتله طعميني قاللي نسِّيتيني».

ومن المشاهد المألوفة في رمضان الحضور الملفت لباعة العرقسوس والخروب والتمر هندي في معظم البلاد العربية،وهي صورة أخرى تؤكد تراثنا العريق والمتمثل في الأزياء التراثية الشعبية التي يرتديها الباعة والأواني والكاسات المزركشة،وقبل ذلك استعادة الأغاني التراثية الخاصة بالمهنة بصوت البياعين وهم يرددون (يا عرق سوس شفا وخمير) على سبيل المثال،أما في المحال المتخصصة في بيع المشروبات الرمضانية كان أصحاب المحلات يلجأوون لحيلة ذكية بهدف استقطاب المارة بإسماعهم من خلال الكاسيت أشهر الأغاني الخاصة بهذه المشاريب مثل (عطشان تع?ل اشرب) لعمر الجيزاوي وهو يقوم بدور بائع العرقسوس، أو أغنية عصام رجي: (يا سمره يا تمر هندي.. يا أطيب مشروب عندي).

إستنفار..

التحضير لمستلزمات رمضان من طعام وشراب هو احدى هذه الطقوس التراثية المتوارثة أيضاً وكان حاضراً بطبيعة الحال في أغانينا تعبيراً عن الخيرات التي يجلبها شهر الكرم بقدومه وتمثل ذلك في مجموعة أعمال مثل الأغنية الرمضانية الأقدم لأحمد عبد القادر وهو يعبر عن حالة الإستنفار هذه: «رحت يا شعبان وحوينا الدار..جيت يارمضان وحوي يا وحوي»، وبعدها بسنوات غنى محمد عبد المطلب: «من إمتى واحنا بنحسبلك ونوضبلك ونرتبلك»، الثلاثي المرح: «جبتلنا معاك الخير كله..م الصبح نقوم ونحضرله»، أما الشاعر الغنائي صلاح جاهين وفي سخريته المعهود? راح يتناول حالة الإستنفار الرمضاني في قصيدته (يا وحوي):

"جابوا قمر الدين وتين وزبيب ومنيبر

ومكسرات في شكارات مقفولة بالميبر

فاضل في شعبان تلات ايام يا شحيبر

راح تعملم إيه في رمضان ابقوا تعالولنا

الكل بات في حسابات تلخم يهود خيبر!».

الشيخ رضوان..

وبذكاء يُحْسَب لمؤلفي الأغاني زمان تم توظيف أصناف الطعام والحلويات الخاصة بالشهر للتعبير عن خيرات الشهر أيضاً والبركة التي يحملها معه، ومن أغنية تحمل عنوان (خيرات رمضان) يصور لنا اسماعيل ياسين الوفرة في خيرات شهر الصيام عبر حكاية الشيخ رمضان والشيخ رضوان عندما توجها لابتياع الأصناف الرمضانية وكانت بإسعار زهيدة كما تشير الأغنية هنا بحيث لا تصعب على الفقراء من الناس:

«الشيخ رمضان هدَّى وحوِّد على عبد العال

خد منه قطايف وكنافة ودفعله ريال

وطلع من عنده مش عارف ح يمشي ازاي

من كتر الخير يتهيأله ينده شيال!».

وهذا هو حال الشيخ رضوان أيضاً:

«والشيخ رضوان رمز وعنوان للخير في بلدنا وللملايين

راجع فرحان يدعي لرمضان ومعاه التين والقمر الدين!».

مودة..

العلاقات الإنسانية في رمضان تتمثل في عدة مظاهر ومنها لحظة التسوق لإعداد مائدة الإفطار وما نلمسه من علاقة ودية وسعة صدر بين الزبون والباعة إنسجاماً مع اخلاق الشهر الفضيل،وهذا ما تعكسه العديد من الصور الغنائية الإذاعية ومنها أوبريت (قبل المغرب) من كلمات فتحي قورة وألحان عزت الجاهلي وغناء شفيق جلال، ثريا حلمي،محمد رشدي،شكوكو وصلاح عبد الحميد، في هذا العمل يشير الحوار الغنائي للعلاقات الحميمية بين الناس في الأحياء الشعبية مع الباعة مثل الجزار وبائع الطرشي والحلويات.

التعبير عن المودة بين الناس يترجم بصور أخرى مماثلة،ومنها دعوة المقربين والجيران على الإفطار وتشير مقدمة هذه الصورة الغنائية لذلك أيضاً:

«يا سلام على ساعة العصرية.. نسمع في الراديو القراّن

ونشوف أحياءنا البلدية..نفطر حلاوتها في رمضان

ونحضر بإيدينا فطارنا..والمغرب نعزم على جارنا

والمدنة بنورها تنورنا..ونردد بهجة ليالينا».

عزومة رمضان..

وفي عمل اّخر يدور حول نفس الموضوع قدمت الإذاعة المصرية الأوبريت الغنائي «عزومة رمضان» تأليف ابراهيم رجب، ألحان وغناء سيد اسماعيل وسعاد علي إخراج ثريا نجم، يشير عنوانه لظاهرة الكرم المتمثل في طبع الناس وتبادل الدعوة على الإفطار بين الجيران من خلال حكاية إنسان شفي من المرض وبادر جاره لدعوته على الأفطار للإحتفال بسلامته، وفي المسلسل الإذاعي (سيد مع حرمه في رمضان) يتغنى المونولوجست سيد الملاح بهذه العادة الجميلة:

«قل للصايم أنت العايم في بحر سرور وغنايم

رمضان يراك فيبتسم هو يفرح بيك وينسجم

هو كريم ولك الكرم يدعوك يوماتي لعزايم».

أما على أرض الواقع فإن فكرة (العزايم) بالوسط الفني لم تنحصر بالأغاني فقط إذ من طبيعة نجوم الغناء زمان إقامة الولائم الرمضانية ودعوة الأصدقاء من الوسط الفني، فالموسيقار فريد الأطرش عُرِفَ بكرمه الغير محدود وكثيراً ما كان يستضيف نجوم الفن على موائد الإفطار والسحور في أجواء تشع بالبهجة والفرح، وهذا ما كان يقوم به عبدالحليم حافظ، وبخصوص ذلك روت لي الكاتبة والأديبة إيمان إبنة الموسيقار عبد العظيم محمد كيف أن والدها الموسيقار تواجد في بيت عبد الحليم في أحد الأيام في حضور العديد من المدعوين ويومها اعتذر والدها عن?تناول الطعام لتأثره وهو يشاهد المدعوين يتناولون كافة الأصناف وصاحب الدعوة حليم محروم منها بعد أن ألزمته ظروفه الصحية المزمنة باقتصار طعامه غالباً على الجبنة القريش المخلوطة بزيت الزيتون!.

عادات سلبية..

نصائح غنائية استمعنا إليها في العديد من الأعمال وجاء من خلالها توظيف الموائد الرمضانية لتسليط الضوء على بعض العيوب الإجتماعية كالإسراف في الطعام،والنهم الذي يتنافى مع أداب الصيام، «الراجل دا حيجنني» صورة غنائية عبَّرت عن هذه الظاهرة السلبية خاصة عندما ضاق الحال هنا بالزوجة (صباح) وهي تشكو من كثرة طلبات الزوج النهم (فؤاد المهندس):

«يجي رمضان وخناقه يزيد..عايز طباخه سكة حديد

اللحمة تلات اشكال.. وطيور بجنيه وريال

ويوماتي رز ومكرونة.. وكنافة باللوز وعلب التونة

غير السلطات والمحشيات..و المشويات والحلويات!».

ومن أغنية (المغرب لسه عليه ساعتين) وعن الزوج الأكول أيضاً غنت ثريا حلمي:

» وفي المغرب يدَّن..ينزل ع الأكل والنبي أحسن.. ويلخبط حامي على بارد.. وكأنه في صحته بيعاند ».

كُبِّة ومحشي..

وعودة أخرى مع سيد الملاح وهو ينتقد عادة الإسراف والنهاية التي تؤول إليها:

«إمسك بالقرش بخطاف وتجنب أهل الإسراف

إن عزت فطوراً وسحوراً لا تطبخ لحماً وطيوراً

وتنام وتصبح معذوراً وتعيشُ على العيش الحافي».

في الجزء الثاني من مسلسل (صح النوم) استمع الناس لأغنية (قوموا ياللي نويتوا تصوموا) بصوت الفنان دريد لحام وهو يقوم بدور المسحراتي بمصاحبة صباح جزائري وناجي جبر على أمل أن يوقظ أهل الحارة من حالة الخمول الناجمة عن الإفراط في طعام الإفطار ومن كلماتها:

«ياللي أكلتوا كُبِّة ومحشي ورز وبامية وشيخ المحشي

ورحتوا بالخروف المحشي حتى صفّى عفص عظام

ياللي سبع شكال فطرتوا كام كازوزة بعدا شربتوا

يا ترى إنكوا تذكرتوا ولا أكلتوا ونمتوا قوام!».

موائد الرحمن..

غابت موائد الرحمن للعام الثاني على التوالي بسبب إنتشار وباء كورونا وهي من الطقوس العريقة التي تقام في الشهر المبارك منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولغاية الاّن، وكان لها نصيبها من الحضور في قائمة الأغاني الرمضانية وبصوت بعض المطربين الحديثين نسبياً أمثال يحيى الكردي وصبري السراج في أغنية (رمضان فرحتنا)،محمد عباس في أغنية (عيِّلْ يتيم) وأغنية (أهلاً رمضان) للمطربة هدى.

إضراب الشحاتين..

التناول الأمثل لهذه الظاهرة جاء عبر الأغنية السينمائية وبشكل عميق ومتوازن مع الفكرة والموضوع من خلال الفيلم الغنائي (إضراب الشحاتين) إنتاج 1967 الذي تقع أحداثه في شهر رمضان عن قصة إحسان عبد القدوس وإخراج حسن الإمام، والبطولة للبنى عبد العزيز في دور المتسولة (شَكَلْ)،و كرم ومطاوع ومجموعة من المغنين والممثلين منهم: ثريا حلمي، ثلاثي أضواء المسرح، أحمد غانم، سيد اسماعيل، ومحمود المليجي.

تقع أحداث الفيلم عام 1923 أي فترة نضال الشعب المصري ضد المستعمر البريطاني، وجاءت الرؤية المتميزة للفيلم بتوظيف مائدة الرحمن كمعادل موضوعي اّخر لعزة نفس الإنسان المصري، وتتلخص فكرة العمل بدعوة وجهها الرجل الثري بيومي باشا (محمد رضا) لإقامة مائدة الرحمن لمئات الشحاذين ليظهر بصورة الرجل المحسن طمعاً بالحصول على رضا صاحب السلطة والنجاح في الإنتخابات، والمتسولون يعرفون نواياه ويبدؤون مساومته على مبلغ لكل منهم يصل في النهاية لجنيه لكل فرد وكان رقماً كبيراً اّنذاك وأثناء إعداد المائدة يأتي الرفض على لسان المتسولة?(شَكَلْ) وعبر لوحة إستعراضية معبرةً عن هذا الرفض غناءً بمرافقة الشحاذين:

«أكل الذل ما يشبعناش حسنة ذليلة ما تلزمناش

دي لقمتنا ودي لحمتنا مهما بنضحك ما بننساش

كل ده فضلة خيرنا وفضلة خيرنا ما نشحدهاش!».

فيها حاجة حلوة..

الغاية الحقيقية لموائد الرحمن تحقيق حالة التكافل الاجتماعي وهذا ما وظفه بذكاء المخرج خالد مرعي عبر أحداث فيلم (عسل إسود) 2010 ومن خلال شخصية مصري (أحمد حلمي) العائد من أميركا بهدف الإستقرار بمصر بعد غياب متواصل لمدة عشرين عاماً، ويصطدم بالتغيرات والمظاهر السلبية التي تفاقمت في غيابه ما يُحْدِثْ لديه صدمة تجعله يقرر العودة لأميركا، إلا أنه التفت لبعض المواقف الإنسانية الجميلة التي يفتقدها في بلاد الإغتراب، ومنها تواجده في واحدة من موائد الرحمن التي يعدها أحد الميسورين لوجه الله وليس لمصلحة شخصية كما سبق، وع?ى إثرها يقرر التراجع عن رأيه والبقاء في مصر وتجلى هذا الموقف بالمشهد الأخير مع صوت ريهام عبدالحكيم واللحن الآسر «فيها حاجة حلوة» وهي تتغنى بطباع الناس الجميلة:

«موائد الرحمن وفانوس رمضان.. مسلم في بيت مسيحي.. فطروا ترنيمة لايقة على تخت غنا».

والله لسه بدري..

وياما قالوا في الأمثال:(صام.. صام..وافطر على بصلة)، وجاء مثل آخر ليدحض هذه النوايا :

(بصلة المحبوب خاروف) وهو ما ينسجم مع سمة الكرم والجود في طباع الناس في شهر الإحسان وحتى مع شُحْ إمكانياتهم لمؤازرة فقير والطبطبة على كتف يتيم،وهذا ما تؤكده واحدة من الأغنيات الخالدة في وداع شهر رمضان بأداء ولا أروع بصوت شريفة فاضل:

«بتحلِّف يتيمك ما تلمح دموعه

وتسره بقدومك وتنوَّر شموعه

وتسيب يوم وداعك فوق الأرض عيد

ياهالل بفرحة ومفارق بفرحة

والله لسه بدري والله يا شهر الصيام!».