قبل أكثر من ثلاثين عاماً وبالتحديد في تشرين الاول ١٩٨٩ تم هدم جدار برلين وذابت الدولة الاشتراكية ألمانيا الشرقية في ألمانيا موحدة تحت سيطرة ألمانيا الغربية، ووسط ضجيج الزلزال السياسي أُلغيت بسرعة فائقة جميع مؤسسات القطاع العام وخُصخصت ٨٥٠٠ شركة حكومية وفقَد أربعةُ ملايين وظائفهم دفعة ًواحدة، اما الحجم الهائل من الفساد الذي رافق ذلك فلم يكشف النقاب عنه الا بعد عقود في تحقيق برلماني جرى عام ٢٠٠٩!

في بلادنا كنا نحب ألمانيا الشرقية، فبالإضافة لموقفها السياسي الداعم لقضايانا وعلى رأسها القضية الفلسطينية فإنها رحبت بالألاف من طلبتنا الذين هُرعوا اليها بعدما سدت في وجوههم الأبواب بسبب انتماءاتهم اليسارية، فدرسوا هناك الطب والهندسة ومختلف العلوم على نفقة حكومة جمهورية ألمانيا الديمقراطية التي استضافتهم في اسكانات طلبتها وعادوا بعد تخرجهم ليخدموا وطنهم حتى ولو ظل بعضهم مطارداً، أمنيّاً.. لذلك ولكثير سواه تساءل الاردنيون وكل العرب يومئذ لماذا ينجرّون ببلاهةٍ وراء الغرب المبتهج بانهيار الاشتراكية في ألمانيا?وهو الذي أذاقهم الأمرّين بالاستعمارين البريطاني والفرنسي ومهّد لإنشاء اسرائيل في قلب وطنهم، مثلما انجرّ كثيرون حول العالم شحنهم الاعلام الغربي الطاغي بخطاب الكراهية للشيوعية وجعلهم يرتعدون هلعاً من جهاز استخباراتٍ في ألمانيا الشرقية ضخموه كثيراً وكأن الولايات المتحدة نفسها بريئة من مثله فوق ان لديها منذ سنوات سجوناً ومراكز للتحقيق خارج حدودها تُمارس فيها التعذيب دون قيود قانونية او اخلاقية !

ما دفعني للخوض في هذا الموضوع الآن هو المقال المطول الذي كتبه في الشهر الماضي الباحث الهندي ڤيجي پراشاد من معهد تراي كونتيننتال للبحوث الاشتراكية في نيو دلهي مذكّراً بالإنجازات الاشتراكية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية وبمواقف لا تُنسى في تأييدها للشعوب الساعية للتحرر،فمثلاً بينما كان الغرب والضالعون معه يتهمون بطل جنوب افريقيا التاريخي نيلسون مانديلا ورفاق حزبه (المؤتمر الوطني) بالإرهابيين والعنصريين(!) ويقيمون علاقات «البزنس» مع نظام الأبارتهايد ويبيعونه الأسلحة، كانت ألمانيا الشرقية تؤيد مانديلا وتساعد ?زبه بالسلاح وتطبع منشوراته وتدرب عناصره على القتال وتعالج جرحاهم،كما كانت اول من بادر بإطلاق الاحتفال السنوي بذكرى ضحايا انتفاضة سويتو التي قام بها الطلاب السود ضد نظام الابارتهايد، وعندما سُجنت المناضلة السوداء أنجيلا ديڤز في الولايات المتحدة بتهمة الاٍرهاب لأنها كانت تناصر أبناء وطنها في سويتو زارها ممثل ألمانيا الديمقراطية وقدم لها باقات الزهور بمناسبة يوم المرأة العالمي، وَ قاد طلبتُها حملة «المليون زهرة لأنجيلا » فأرسلوا لها في سجنها شاحنات كبيرة محمّلة ببطاقات رسموا الزهور عليها بأيديهم..

وبعد.. إن سياسة ألمانيا «الموحدة» منذ١٩٨٩معروفة لكن آخر ما حز في النفوس كثيراً الاسبوع الماضي هو موقفها الصادم في اجتماع مجموعة السبعة بانتصارها للاحتكار حيث رفضت بشدة تعليق حق الملكية الفكرية للشركات المنتجة للقاحات ضد الكورونا حتى لو أدى ذلك الى معاناة الفقراء وموتهم بالآلاف كل يوم بل كل ساعة!