لا بد من ثورة في الذهنيات ترسّخ قيم «المواطنة» د. كمال عبد اللطيف «الذهنية العربية المعاصرة» بحاجة الى هزة في الأعماق ترفع سوية وعيها، فلا يظل وعياً قاصراً تغيب عنه ايجابيات الرؤية الحضارية التي تواكب منجزات هذا العصر متى نفلح في خلق هذه الذهنية الجديدة؟

حدث «ربيع عربي» في بعض بلداننا العربية فهل نجح في احداث هذه الثورة الذهنية؟ اشك في ذلك، وأرجو أن أكون مخطئاً، ما اخشاه ويخشاه غيري من المراقبين لما حدث بعد ثورات هذا «الربيع العربي» أن نكون قد اخفقنا في تحصين هذه الثورات المشروعة ضد محاولات إجهاضها والالتفاف عليها. لقد صفّقنا لهذه الثورات او الانتفاضات الشعبية كما يسميها البعض حين توقعنا ان افق وعي جديد قد برز هدفه تعزيز قيم «المواطنة»، إلا أن ذلك قد تعثر بسبب محاولات الالتفاف على هذه الثورات.

في كتابه «تجليات الثقافي في الربيع العربي» يحدثنا المفكر المغربي البارز د. كمال عبد اللطيف عن مخاوفه المشروعة في أعقاب ما حدث من تطورات وأزمات بعد ثورات الربيع العربي.

يقول في صفحة (86) من كتابه الصادر في القاهرة العام 2014: «إن الانفجار السياسي الذي شهدته أقطار عربية يقمعها الاستبداد قد لا يكون كافياً رغم أهميته البالغة في تحقيق طموحات العربي في النهوض والتقدم، بل إن الامر يتطلب انجازاً أعم يشمل الابعاد الاجتماعية والثقافية».

ومع الاسف لم نشهد بعد اي انجاز حقيقي يشمل هذه الابعاد التي أشار اليها هذا المفكر. مخاوفه باتت واقعاً حاضراً نشهده.

عاد «المكبوت الطائفي والاثني» الى الواجهة محاصراً «مجتمع المواطنة» ومستحضراً قيم النسب والدم وأساطير الاصول الواحدة الموحدة والنقية!

إن استحضار هذا المكبوت على هذا النحو الذي نشهده هنا وهناك قد سَطا في تقديري على المكاسب الثورية التي توقعنا ان ترسخها ثورات «الربيع العربي».

تبددت إلى حد كبير هذه المكاسب. التف عليها من التف من أنصار العهد القديم، فإذا بالنقلة النوعية التي تعشّمنا ان تحدث في الذهنية العربية قد اصطدمت بعودة «المكبوت الاثني والطائفي» على نحو غير مسبوق!

في كتابه ينتقد الدكتور كمال عبد اللطيف فشل هذه الثورات في استحضار «توجّه عروبي ويصورة جديدة في الخيارات التحديثية التي تروم المساهمة في بناء مجتمع المواطنة والحريات وتداول السلطة متميزاً كلية عن سلطوية الانظمة القومية الشمولية». (المرجع السابق ص 100)..

الأنظمة القومية الشمولية التي خذلتنا كشعوب عربية وإسلامية مازال أنصارها يحاولون جاهدين إرجاع العربة إلى الوراء معتمدين على استنفار المشاعر الاثنية والقبلية والطائفية.

"لم تنجح هذه الثورات العربية في خدمة المشروع الديمقراطية المنفتح على المكاسب المعرفية الكبرى لعصرنا». كما يرى هذا المفكر.