الدكتور عامر أحمد العورتاني أخصائي علم الاجتماع Dr.amer.awartani@gmail.com

ذات صباح بدا كلّ شيء مشاغباً، فالعصافير في حراك دؤوب على الأغصان، وهي تتقافز مُصرّة على الفرح، وكانت بعض نسمات الربيع تؤازرها فتلاعب أوراق الشجر لتبعث فيها المزيد من الحماس، فكان أداؤها أقرب إلى جوقة موسيقية وهي في مرحلة التمرينات، كثير من النشوز، وقليل من الانضباط، لكنه في النهاية مشهد ربيعي دفعها للنهوض، واستفزّ فيها رغبة إجبارية لبدء النهار، وحيث أنّ البدايات كانت رهن السكون منذ أن حلّت جائحة الكورونا، فإنّ «البدء» كان مفردة ممنوعة من الصرف، وكلّ شيء محكوم بالغموض في سراديب المجهول التي دخلناها منذ ما ي?يد على العام ونصف العام... قرب النافذة جلست وأمام فنجان القهوة، وجدت نفسها تتوق إلى سماع فيروز، فلا قهوة دون فيروز، ولا صباح دون فيروز، ومع أول رشفة من ذلك البنّ المُعتّق، وجدت نفسها تذهب نحو الماضي القريب، حيث لم يكن للوباء وجود، وحيث لم تكن تدرك أنّ العودة إلى ذلك الوقت ستكون بين أصعب الأمنيات، أمسكت غصن الشجرة القريبة، وتلمّست إحدى الأوراق، وكأنها تبحث في ذلك الملمس عن جزء منها قد تاه بين تدافع الأحداث، ووجدت نفسها تهمس بآآآه طويلة، والحسرة تختلج بين أضلعها، وكأنها تُحدّث الفنجان على الطاولة بدأت بوحها الرزين،.... كم كنت أعشق الإجازات في طفولتي، ?كم كنت أتمنّى سرّاً أن تُغلَق المدرسة للأبد، وعندما كبرت كانت ذات الأمنية ترافقني في الجامعة، إلى أن صار العمل مشمولاً بذات الرغبة،... لم تكن تلك أمنيتي وحدي، فالجميع مثلي يتمنون البقاء في إجازة لا تنتهي، » لا أعتبره إثماً » قالت في نفسها، فضغوط الدراسة والعمل كانت تعمل كأمواج المدّ التي تجبرك على ما تقوم به، وأكثرنا في الغالب لم يختر ماذا يدرس أو ماذا يعمل، فالعلاقة مع كليهما كالزواج دون حُبّ، اقتنعت بما التمسته لنفسها من عُذر، وبدأت تبرهن نظريتها تلك مقدمة بعض الفرضيات، وعلى أنغام رشفة أخرى من ذلك الفنجا?، استحضرت الهالة التي كان يوم الخميس يحلّ بها في آخر الأسبوع، كيف لا ويوم الخميس عيد أسبوعي يستقبله الجميع منذ الأربعاء ب » هلا بالخميس » على منصات التواصل الرقمية، فما أن يحلّ صباح ذلك اليوم حتى تلاحظ حالة مفاجئة من الهمّة والحماس لدى الجميع، فقط لأنّ اليوم التالي يوم إجازة، إذاً فالعلاقة مع الإجازة علاقة عشق جمعيّة، وحتى لأولئك الذين لا تعنيهم النزهات، وحفلات الهشّ والنشّ في يوم الجمعة، فقد كان منتهى النصر أنه يوم إجازة...» أتراه يكمن السرّ في فصل الربيع، وما تحثّ أجواؤه عليه من انطلاق وتجديد »، هكذا تسا?لت مع نفسها، لترد نفسها بالنفي المؤكد، فالشتاء كذلك كان يُجسّد الرغبة الشهيّة في البقاء في المنزل والغياب عن الدراسة أو العمل، فنشرات الطقس في المساء كانت مفتوحة على احتمالات مرتقبة بمنخفض قطبي يودي إلى عطلة جماعية بختم الشرعية، وحتى المرض لا مانع من الترحاب بزيارته إذا ما أفضى إلى إجازة غير متوقعة بدافع من نزلات البرد، أمّا الصيف فهو في حدّ ذاته فصل الإجازات، حيث يطول السهر، وتكثر المناسبات واللقاءات العائلية، أمّا الأعياد فصكوك محسومة بالإجازة تحت عنوان الفرح... بدأت تُدرك عمق نظريتها، فقد خلصت إلى ملامح?فلسفة مختلفة للإجازة في مجتمعنا، فالإجازة هدف في حدّ ذاته، دون أن تقترن بالتعب أو الإرهاق أو السعي وراء قضاء حاجة مُلحّة، إنها رغبة بالهروب، الهروب من كلّ ما دفعتنا أمواج الحياة نحوه دون إرادة مطلقة، وهي كذلك حالة يقف خلفها ثقافة بعيدة من الاتكالية وضعف الإبداع والإنجاز، وربما أسس لها سجلّ طويل من اليأس والخذلان، وحيث تراجعت قيم مثل » من زرع حصد ومن سار على الدرب وصل »، فقد تسللت نوازع الكسل وحتمية المخرجات، وصار كلّ شيء تحصيل حاصل، ولا أمل في جديد، هكذا كانت التفسيرات تتهافت في داخلها، وهي تنظر في نقطة مح?دة داخل الفنجان الذي فاجأها بنهاية محتواه... «كم كانت أيامنا قبل الجائحة شبيهة بفنجان القهوة هذا » قالت لنفسها » كنّا نرتشف الأيام بلذّة القهوة، وكانت تلك اللذة تسرقنا من الوقت الذي كان يمضي مندفعاً دون أن ندرك أنه يذهب ببعض منّا في كلّ يوم ينقضي، أمّا وقد مُنينا بالوباء الذي لم يرحم بشراً على الأرض، وكأنه جاء مُلقناً الإنسانية جمعاء الدرس الأقسى، بعد أن غرقت ملامحها في جداول إحصائية لا مكان فيها للشعور أو الوجدان، ففرض علينا التباعد، وصار الواحد حذراً حتى من أقرب الناس إليه، وفي حضرة المرض صار العناق جريم? لا تُغتفر، أمّا اللقاءات فضمن دواع أمنية مُشدّدّة، وصارت ضربات المرض تشتدّ وتزداد حدتها حتى كبرت مسافات الأمان المؤلمة، فأبعدت الطلبة عن مدارسهم حتى استبدّ بهم الشوق لمقاعدهم الخشبية، وطال بهم الحنين للعب في ساحات المدرسة... حتى حرب المقصف المدرسي استثارت لهفتهم للعودة إلى ذلك المكان الذي سكنه الصمت المرفوض، هذا ما كانت تسمعه من صديقاتها الأمهات، أمّا هي فقد أيقنت أنها وصلت حدّ الإشباع من الغياب عن العمل بحكم إجراءات مواجهة المرض اللعين، وأدركت مقدار ما كان الدوام يترك في يومها من أثر، بل إنه كان الدليل ا?ذي كانت في ضوئه تُنظّم كلّ ترتيباتها... حتى الأعياد والمناسبات لم تعد تعني ما كانت تعنيه من قبل دون مناكفات تحديد مدّة الإجازة وكيفية قضائها... وكما أنّ فقدان الإحساس بالطعم والرائحة كانت من أهم أعراض الكورونا، فإنّ كلّ شيء خلال الحرب على الوباء فقد طعمه ولونه ورائحته حتى صار باهتاً دون معنى، وكالعالق في سفينة تتلاطمها رياح عاصفة وسط المحيط، وجدت نفسها تتوسل إلى الله بأن تنتهي حكاية الفيروس الثقيلة، وتتبدد غيومه التي حجبت كلّ معنى عن الحياة، وهي تسترسل في توسلها حتى تعود الحياة كما كانت من قبل رغم كلّ ما ك?نت تمقته من روتين الحياة الرتيب، وهي موقنة بأنّ أسوأ ما في الماضي هو نعمة حقيقية لم تُدرك قيمتها إلّا عندما فقدتها.