د.فاطمة نصير (ناقدة وأكاديمية من الجزائر)

رواية «دفاتر الورّاق» هي الرواية الرّابعة في المنجز الروائي للأديب جلال برجس، وفيها يلحظ القارئ أنّ برجس يواصل مشروعه التنويري سردياً، فالقارئ لرواياته السابقة وروايته هذه يرى أنّه يتبنّى إشكالات وأسئلة تتقاطع مع بعضها بعضاً دون أن يحدث تكرار واجترار داخل النصوص. في هذا المقال سنحاول إضاءة جوانب ممّا تمّ سبره من خلال قراءة «دفاتر الورّاق» الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنّشر (2020) والتي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (2021).

الاحتفاء بالمكان

تحتفي الرواية بشكل ملحوظ بالأمكنة، لا سيما أنّ روايات برجس السابقة (مقصلة الحالم، أفاعي النّار، سيدات الحواس الخمس)، روايات مكانية بامتياز، إذ كان لعمّان الحظ الأوفر والحضور الدائم في سردياته، لكن ذلك لم يكن ليغيّب حضور المدن والقرى الأردنية في السياق السّردي وفي إطار ما يخدم الأفكار والأسئلة التي تتضمّنها الرواية، إلى جانب الأماكن العامّة التي تتجوّل في الشخوص وترتادها أو تظهر كفضاءات للعمل اليومي وغير ذلك بالإضافة إلى الأماكن الخاصّة التي تعدّ مأوى أو شبه مأوى تأوي إليه الشخوص للسكن وأخذ قسط من الرّاحة ب?د تعب أنهك الرّوح والجسد.

ولعلّ «كشك الورّاق» أهمّ الأمكنة التي تداولتها الرّواية وكان وجودها مهمّاً داخل نسق الرواية بشكل كبير، إذ ساهمت في صياغته وبلورته. يقول إبراهيم الورّاق عقب خسارته للكشك الذي ورثه عن والده وتكديس الكتب في شقته المستأجرة: «فوضى من كتب كشك الورّاق الذي أقامه أبي على رصيف أوّل شارع الملك حسين عام 1981، ونقلتها هنا إلى البيت قبل أسابيع بعد أن استلمت بلاغاً من أمانة العاصمة يشدّد على ضرورة تركي للكشك، حيثُ سيتمّ توسيع الأرصفة، مع وعد أن يتمّ تعويضي بمكان آخر ذات يوم، فما عاد لي عمل أعتاشُ منه»، وطبعاً لم يأت ذلك?اليوم الذي يتمّ فيه تعويضه بمكان آخر، وذلك إشارة خفية لحقيقة مكانة الكتابة في واقع لا يؤمنُ بالقراءة كفعل تنويري ضروري للأفراد والشّعوب والأمم ناهيك عن أنّ الكشك كان مصدر رزق بالنسبة لإبراهيم الورّاق الذي عانى كثيراً عقب هذه الحادثة.

هزيمة المثقّف وانسحابه

من خلال يوميات إبراهيم الورّاق، القارئ النهم والمشتغل في مجال بيع الكتب، أسقطت الرواية صورة المثقّف ذي البدلة الأنيقة والنظارة السميكة والمكتب المرتّب لتحل محلّها الصورة الأكثر قرباً لحقيقة شريحة كبرى من المثقفين واقعياً، حيث المعاناة في السّعي لتوفير حياة كريمة. ثمّ إنّ استهلاكه للكتب جعل منه كائناً ورقياً وبالتالي انعزالياً وشخصية انفصالية يسكنها المونولوج في كل آن وحين، ففي الرواية يمكن عدّ ذلك الصوت الداخلي الذي يأتي من داخل بطن إبراهيم الورّاق شخصيته الباطنية، وقد صورتها الرواية بطريقة فنتازية وكوميدي? وأحياناً ساخرة إلى درجة ذهاب إبراهيم للطبيب للكشف عما يحدثُ داخل بطنه، ولمركز الشرطة للشكوى على ذلك الكائن الذي يسكنه ويحرّضه ويصدر أصواتاً كثيرة لمّا يختلي به.

إنّ كثافة المونولوج لديه كان مصدرها مشكلاته المتراكمة، وعلى رأسها إحالته على البطالة، وقرب انتهاء إيجار الشقّة، وعدم توفّر مبلغ مالي لتجديده، وانزواؤه وتكثيف فردانيته في سياق حياته اليومية بشكل جعل منه شبه منفصل عن الواقع وعن مجريات الأحداث الجديدة المتسارعة في مختلف مجالات الحياة: «أنا رجل وحيد، لا طريق لي غير التي تأخذني من بيتي في جبل الجوفة إلى وسط البلد، حيثُ كشك الورّاق الذي كنت أمتلكه، وحيد بشكل لا أدري إن استطعتم فهمه أو لا في مدينة عالية الضجيج».

إنّ غرق إبراهيم الورّاق في المشكلات وانغماسه داخل ذاته بطريقة جعلت منه شخصية انفصامية –أحياناً-ـ هو صورة من صور المثقّف المُنهزم والمنسحب في الوقت نفسه والخاضع والخانع لما هو عليه من ظروف، طالما أنّ تلك الظروف التي يعيشها لا يمكنهُ تغييرها بشكل فردي، ففي الرواية كما في الواقع لم نجد شخصاً تبنّى مشكلة إبراهيم الورّاق وحاول مساعدته في تجاوز المحنة التي يمرّ بها خصوصاً عقب خسارته للكشك الذي هو مصدر رزقه وفي الوقت نفسه المكان الذي يأوي إليه فيجدُ فيه حيوات كثيرة وأزمنة وأمكنة متعدّدة متحرّكة بين سطور وصفحات ال?تب والمجلّدات التي قرأها والتي يتطلّعُ لقراءتها.

معاناة المهمّشين

يتّضح للقارئ أنّ «دفاتر الورّاق» نصّ سردي مسكون بهاجس نُصرة المهمّشين اجتماعياً، ففي تضاعيف فصول الرواية نلتقي بشخصيات عديدة ساهمت في صياغة المتن وهم في الأصل مهمّشون ومنبوذون اجتماعياً، وقد لا يكون لهم دخل مباشر في ما آلت إليه أمورهم. بمعنى آخر هم ضحايا أشخاص آخرون جلبوهم للحياة وتخلّوا عنهم، ومنهم من كان ضحية نفسه أو محيطه الاجتماعي وجملة من الظروف التي مرّ بها في حياته، إنّهم أشخاص منبوذون اجتماعياً، وإن انتشلهم البعض محاولاً إنقاذهم من التنصنيف الدّوني اجتماعياً سيظلّ الجزء الأكبر يحتقرهم ويمعن في تهميشهم وازدرائهم دون رحمة أو شفقة، ومن هؤلاء المنبوذون: مجهولو النّسب وساكنو الملاجئ كشخصية ليلى في الرواية التي وجدت نفسها بعد انتهاء فترة حضانتها بالملجأ عند بلوغها سن الثامنة عشرة في مواجهة الحياة وحدها عزلاء بلا سند عائلي ولا مادي ولا معنوي، يضاف إلى ذلك النظرة الاجتماعية الدونية?لها ولمثيلاتها في المجتمع، إذ إنّ عدداً كبيراً من الناس يرى أن مجهولي النّسب من السهل استغلالهم وأنهم لا يمتلكون قيما وأخلاقا:

"خطوة واحدة نحو عالم لا عائلة لي فيه ولا أقرباء، أعطوني مئتي دينار، وبطاقة شخصية فيها اسم أب وأم مستعارين، ودلّوني على بيت تسكنُ فيه فتيات من النّزيلات السابقات للملجأ، ثمّ قالوا لي: (عليك أن تغادري الآن)، هكذا وبكلّ بساطة... ما إن خرجتُ من الشّارع الذي يقعُ فيه الملجأ حتّى سمعتُ بوق سيارة أجرة، لوحت لسائقها بيدي فتوقّفتُ وركبت، وأعطيتُهُ ورقة دوّنوا لي فيها العنوان.كان السّائق يدندنُ بكلمات أُغنية تصدرُ من المسجّلة، ويُدخّنُ بشراهة وينظرُ إليّ عبر مرآة السيارة. ـ (أنتِ من بنات الملجأ؟)، قال متسائلاً وعينا?ُ تبتسمان بخبث، ثمّ لم يجد إجابة مال بجسده إلى اليمين ولوى عنقهُ نحوي: (سأوصلك أينما تريدين ثمّ أنتظرك لنخرج سوياً)».

كانت هذه وقفات قصيرة وسريعة في رواية طويلة نسبياً؛ 366 صفحة مجزأة على سبعة فصول يتابع القارئ فيها الخط السردي الممزوج بالرؤية الاجتماعية والثورة التنويرية التي يتبّاها برجس في مشروعه السردي، ويراهن على القارئ ووعيه وعدّه نواة فاعلة في فعل القراءة، وقد خصّه بالإهداء في مطلع الرواية قائلا: «إلى قرائي الذين أفسحوا لكلمتي مكاناً في قلوبهم، فربحتُ الخلود».