عمان - فرح العلان

قال نقاد وأكاديميون ولغويون متخصصون إن صدور كتاب «مفاتيح التراث: معجم الأديان المعتقدات والمعارف قبل الإسلام» يشكّل إضافة مُعجميّة بارزة للمكتبة العربية، تدعم الاهتمام بالموروث العربي وتقدّمه بروح علمية معاصرة إلى القارئ الجديد، إلى جانب ما ينهض به المعجم من هدف صريح في الكشف عن كثير من غوامض تلك المرحلة التأسيسية التي ما زال البحث فيها مثيرا وقابلا لإضافات كثيرة.

جاء ذلك في الندوة العلمية التي نظّمها قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة فيلادلفيا عبر منصّة (مايكروسفت تيمز) لإشهار كتاب «مفاتيح التراث» بحضور مؤلّفه د.محمد عبيد الله، ومشاركة عدد من أساتذة اللغة العربية في الجامعات الأردنية. إلى جانب أكاديميين ونقاد وباحثين وطلبة من الأردن ودول عربية وإسلامية.

عبد الخالق: جهد علمي جدير بالاهتمام

وأشار د.غسان عبد الخالق إلى الجهد الكبير الذي بذله عبيد الله في تأليف هذا المعجم الموسوعي حتى استوى على هذه الصورة التي يطالعها القارئ بسهولة ويسر، ونوّه إلى دعم عمادة البحث العلمي في جامعة فيلادلفيا للتأليف والبحث ورعايتها للعلم والعلماء عبر الاهتمام بمشاريع البحث العلمي ودعم نشر الكتب.

ثم قدّم عبد الخالق المتحدّثين الذين عرضوا لمادة المعجم ومنهجه وأسئلته، وأجمعوا على الإضافة المعرفية والثقافية والحضارية التي يمثلها، بما فيه من جهد وبحث مستقص واجتهادات تجعله كتابا موسوعيا جديرا بالقراءة والاهتمام.

الرفوع: مرجع موثوق في التراث

وقال د.خليل الرفوع، أستاذ الأدب الجاهلي في جامعة مؤتة، أن هذا الكتاب المعجمي المعرفي يوثق جزءا مهمّا من ديانات العرب ومعتقداتهم ومعارفهم. ونوّه بالجهد المضاعف الذي بذله المؤلف في جمع مواد الكتاب وتبويبها وإخراجها في صورة تنبئ عن فهم ثاقب لطبيعة العصر الجاهلي الذي امتاز بقيم حضارية ممتدة في التاريخ والجغرافيا كان الشعر أحد سبلها ومعطياتها.

ورأى الرفوع أن الكتاب تناول تراثا معرفيا ضخما لا يستطيع أي باحث الولوج إلى صفحاته إلا بعد علم وخبرة وطول مكث في الممارسة النقدية وامتلاك رؤية ممتدة في العصر نفسه، وفي العصور اللاحقة حتى يومنا هذا.

وختم الرفوع مداخلته بقوله أن هذا الكتاب دراسة علمية تقف على عصر غلبت عليه الرواية الشفوية، وكثرت فيه المعارف الدينية وتداخلت فيه العلاقات اللغوية والسياسية والدينية مع الأقوام المجاورة، وكل ذلك يحتاج إلى دراسات متبصّرة كهذه الدراسة المعجمية القيمة التي تعزّز المعرفة بالحضارة العربية مع عدم إغفال انفتاحها على الحضارات والثقافات الأخرى.

نعجة: رؤية معجمية جامعة

وقالت د.سهى نعجة، أستاذة اللغويات في الجامعة الأردنية: إن عبيد الله استأنف جهود المعجميين الأقدمين والمحدثين، وتوسّل بمنهجية أكثر يسرا في الكشف عن سيرة الدوال، فبسطها (ألفبائيا) في مداخل معجمية تفيد من نظرية الحقول الدلالية.

وذهبت د.سهى إلى أن المؤلف امتاز برؤية معجمية جامعة مانعة في محاورة الدوال اللغوية التي وردت في المنجز اللغوي العربي الموروث قبل الإسلام وإعادة قراءته؛ مركزا على الحفر في مكوّناته المعرفية، وروافده العقلية والنقلية، ومنطلقات معتقداته الدينية.. مستعينا بمنهج أصيل معاصر يفكّك ويعيد البناء مستعصما بمفهوم التماسك النصي، والكثافة اللغوية، والقرائن الحالية والمقالية، وسياق الحال ومفهوم الثقافة.

الفجاوي: ردّ جديد يواجه مطاعن الشعوبية

وأشاد د.عمر الفجاوي، أستاذ الأدب القديم في الجامعة الهاشمية، بالكتاب، وعدّه سفرا ثمينا ينضمّ إلى الجهود والمصنفات المرموقة التي وضعها العلماء الأقدمون، وذهب إلى أنه يسير في مسلك السلف الصالح من العلماء كالجاحظ وابن قتيبة وأضرابهم من المؤلفين الذين دافعوا عن الثقافة العربية في مواجهة الشعوبية القديمة.

وأوضح الفجاوي أن هذا المعجم النفيس يعد امتدادا لتلك الردود والجهود في دفع مطاعن الشعوبية بطريقة علمية منهجية، تؤمن بحوار الثقافات والحضارات وتفاعلها، بعيدا عن الإزراء بالعرب وثقافتهم واتهامهم بأنهم مجرّد نقلة أو عالة على غيرهم. ودعا الفجاوي المهتمين والباحثين والقراء إلى الإفادة من المعجم وما فيه من رحلة شيقة بين ألفاظ الجاهلية ولا سيما في المعتقدات والأديان.

الدروبي: أصالة المرجعيات التراثية

ونوّه د.محمد الدروبي، أستاذ الأدب القديم والعباسي في جامعة آل البيت، بالمعجم ومؤلفه. مركزا في مداخلته على إبراز المرجعيات المعرفية والثقافية المتنوعة التي عوّل عليها المؤلف.

وبين أن أَهم ما يؤكد تنوع هذه المرجعيات ذلك الثبت الممتدّ من المصادر والمراجع الذي ضمّ عشرات الموارد والروافد التي صرح المؤلف بالنقل عنها، وهي مرجعيات تتمدّد على مدار ستة عشر قرناً، تبدأ بالمدونات الشعرية الجاهلية وتنتهي بالدراسات المنهجية المعاصرة، ما بين تلك وهذه، تبدو سلطة المرجعيات اللغوية والدينية والأَدبية والتاريخية والجغرافية والفكرية والكلامية.

وأكد أن تعدّد المرجعيات أَثرى المعجم، وأَمدَّه بطاقات جديدة، وهو دليل على وعي المؤلف بأَهمية الإِفادة من كل سلال المعرفة وأَوعية المعلومات، وتسخير معارفها في لون من الصناعة المعجمية الثقافية الحضارية التي تشتدُ إِليها حاجة العربية وتراثها العتيد.

عبيد الله: المعاجم ضرب من ترميم الماضي

من جانبه، قال د.محمد عبيد الله إنه أراد تقديم مساهمة معجمية ثقافية تتصل بالحقبة التأسيسية في الثقافة العربية، وإن إعجابه بجهود قدامى المعجميين والمؤلّفين كالخليل بن أحمد الفراهيدي والجاحظ وابن قتيبة دفعه إلى خوض هذا المضمار المعجمي الشاق لخدمة اللغة العربية التي تستحق كل اهتمام ورعاية.

وشبه محاولة التأليف المعجمي في العصر الجاهلي بعمل علماء الآثار، إذ ينطوي على الترميم وعلى تصور المجهول والخفي من خلال البقايا القليلة التي كشف عنها التنقيب، وذهب إلى أن بحثه يكشف عن مكانة اللغة العربية بوصفها أطول اللغات الحية عمرا، وأن هذه الحقبة التي يتناولها ما تزال حية وما تزال تعانق الحاضر في امتداداتها الثقافية والحضارية والشعرية.

وأشار عبيد الله إلى أن المعجم ليس كتابا إبداعيا أو نقديا اعتياديا، وإنما هو كتاب يقدّم المعرفة الدقيقة التي لا لبس فيها، وأضاف: «نحن نلجأ إلى المعاجم لتزيل الالتباس والغموض عن بعض الكلمات أو المصطلحات، فإذا لم يقم المعجم بهذا من خلال ما يقدّمه من معرفة دقيقة مقنعة فإنه يكون معجما ناقصا أو معيبا، ولقد حاولت في هذا المعجم الإحاطة بأهم الكلمات المفتاحية التي لا بد منها لتفهّم التراث الثقافي والحضاري عند العرب قبل الإسلام، وقبل أن أكتب أي مادة كنت أقرأ عشرات وأحيانا مئات الصفحات المرتبطة بالمدخل، وما في معجمي هو خلاصة أمينة موثّقة أحسب أنها أفادت من جهود المعجميين العرب ومن عشرات المصادر القديمة والحديثة، وتوصلت في كثير من المداخل إلى حقائق جديدة وفهم جديد لكثير مما التبس فهمه على المعجميين والباحثين السابقين».

يشار إلى أن الكتاب الذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بدعم من جامعة فيلادلفيا، يقع في (504) صفحات، ويضمّ (257) مدخلا معجميّا على ترتيب الحروف الهجائية.

أما مؤلفه، د.محمد عبيد الله، فله إسهامات ومؤلفات متعددة في النقد الأدبي والمعجميات والتراث العربي. ومن مؤلّفاته المتصلة بالمجال التراثي: «أساطير الأولين: الجنس الأدبي الضائع في السرد العربي القديم»، و"الصناعة المعجمية والمعجم التاريخي عند العرب»، و"الوعي بالشفاهية والكتابية عند العرب»، إلى جانب مؤلفات في النقد الأدبي منها: «رواية السيرة الغيرية: قضايا الشكل والتناص وجدل التاريخي والتخييلي»، و"بنية الرواية القصيرة». وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين وجمعية النقاد الأردنيين، ويعمل عميدا لكلية الآداب والفنون بجامعة فيلادلفيا.