رُبا الناصر

(كاتبة أردنية)


وصلتُ إلى وجهتي أخيراً بعد أن أوصلني سائق (أوبر) إليها،كانت الأكواخ متراصّة جانب بعضها بعضاً وسط غابة كثيفة الأشجار، أحببتُ أن أستأجر كوخاً بعيداً عن ضوضاء المدينة، هروباً من المشاكل التي تحاصرني منذ فترة قريبة. قبل السفر كان كل شيء حولي يطبق على صدري ولم أستطع التحمُّل أكثر، خاصة مع اقتراب موعد افتتاح معرض الصور خاصتي، لذا قررتُ أن آتي هنا في هذا المنتجع وأن أستأجر أحد أكواخه لأيام، بعد نصيحةٍ من أحد الأصدقاء ممن ارتادوه من قبل.

دخلتُ قاعة الاستقبال، كان تصميمها بسيطاً من ستائر بيضاء من قماش الشيفون ومكتب أسود بيضاويّ الشكل يجلس خلفه موظف استقبال سرعان ما استقبلني بحفاوة ودلّني على الكوخ الذي سأقضي فيه مدة الإقامة، طفق يحدّثني عن تاريخ المنتجع وفكرته ونحن نمشي في الممر الضيّق بين الأشجار، كنت أنصت إليه تارة وأجول ببصري متأملاً جمال المكان تارة أخرى. أعجبني المكان حقاً، وحسبته نقطة انطلاق جديدة في حياتي.

وصلنا إلى الكوخ. كان مميزاً من حيث الشكل، واجهته من الخشب، بينما بقية بنيانه من الطوب الأحمر، إلا أن أهم صفة ميّزته كما فهمت من موظف الاستقبال، أن هناك عائلة كانت تمتلك هذا الكوخ وقد عاشت فيه أجيالاً متتالية قبل أن يتركه آخر مالك له ويهاجر إلى النمسا، تاركاً إياه يتهالك من فرط الإهمال إلى أن أتى صاحب المنتجع واشتراه ثم بنى غيره من الأكواخ مبقياً على بعض أثاثه ومقتنايته دون تجديد؛ رغبةً منه في الحفاظ على عبق الماضي.

تجولتُ في أرجاء الكوخ. كانت مساحته كبيرة نوعاً ما، فقد تجزّأ إلى طابقين: الأول يتكوّن من غرفتَي نوم، وصالة طعام، ومطبخ، وحمّام، وغرفة معيشة صغيرة،يقع بالقرب منها باب صغير لم أعلم ما يوجد خلفه، بينما يتكون الطابق الثاني الذي تصل إليه عن طريق سلّم خشبي متعرج، من صالة واسعة لها شرفة زجاجية كبيرة تطل على شجر الغابة من علوّ مرتفع، أضفى على المكان سحراً، وما زاده جمالاً موقد النار الذي يقع في الزاوية اليسرى للصالة. أما الأثاث فقد تباينَ بين الكلاسيكيّ والتصميم الحديث (المودرن). في خارج الكوخ تقع حديقة صغيرة فيها كرسيّ وطاولة، فقررت أن أجلس هناك لمشاهدة مغيب الشمس.

مع انتصاف النهار ذهبتُ في نزهة وسط الغابة وحملت الكاميرا لالتقاط بعض الصور، وبعد ساعة من المشي عدت تجاه الكوخ لأجد ورقة على الطاولة في ساحته الخارجية، تُعْلمني بالذهاب إلى صالة الطعام لتناول الغداء الذي أصبح جاهزاً. وقفت أمام (بوفيه) يضم أنواعاً شتى من الطعام الغربي والتقليدي، ملأت طبقي وجلست على طاولتي أتناول طعامي،كان الهدوء يطبق على المكان حتى جاء وفد سياحي مكوَّن من عشرات الأفراد من الواضح أنهم قد أنهوا جولة المشي وقدِموا لتناول الغداء. ضجّ المكان سريعاً بالحركة والضحكات العالية.

انقسم الوفد إلى مجموعات تتكون كلّ منها من أربعة أفراد يجلسون على كل طاولة، امتلأت الطاولات ما عدا طاولة واحدة كانت تجلس عليها سيدة ظننتُ أنها ضمن الوفد إلا أنها كانت نزيلة مثلي تجلس وحدها، لكنها وسط هذا الضجيج لفتت انتباهي. كنت أنظر إلى رشاقة يديها وهي تستعمل الشوكة والسكّين في تناولها للطعام، رسمتُ ابتسامة خفيفة ثم نهضتُ مغادراً الصالة.

انتظرتُ مغيب الشمس في ذلك اليوم، أعددت قهوة (كابيتشينو) وجلست أتأمل نحاس الشمس وهو يختفي وراء الأشجار حتى خيّم الظلام. رنّ هاتفي النقّال. كانت مكالمة من المحامي. كان يريد إبلاغي بترتيبات الطلاق، غير أنني طلبت منه تأجيل الحديث عنها ريثما أعود إلى عمّان.

كنت منهك القوى، لذا نمت مبكراً، إلا أن صياح بومة قرب نافذتي كان كفيلاً بإيقاظي،كان النعاس ما يزال يفترش جفوني، نظرت في ساعتي، إنها الثالثة صباحاً، تململت قليلاً قبل أن أنهض، نظرت من خلال النافذة، كان السواد الحالك سيّدَ المكان.

تجولت في أرجاء الكوخ متأملاً كل ركن فيه حتى وصلت إلى ذلك الباب الصغير، فتحته بحذر، أضأتُ إنارة الغرفة فكشفت عن غرفة صغيرة يتكدّس فيها الأثاث فوق بعضه بعضاً والغبار يملأ المكان، على الطاولة يوجد صندوق صغير بلا غطاء، وبجانب الطاولة عصا قديمة مقبضها معكوف من العاج الأبيض، علمت من تلقاء نفسي أن هذه الغرفة تحتوي على بعض ممتلكات من عاشوا في الكوخ، ففكرت أن أبحر في ماضيهم كاسراً بعض الملل في هذا الليل الطويل، أمسكت العصا وتأملت أجزاءها: "لو أن هذه العكّاز باستطاعتها النطق لروت لي أحاديث جمة عن هذه العائلة وعمّن استعملها طوال تلك السنين"، هكذا حدثت نفسي قبل أن أقبّل مقبضها ظاناًّ أن تكون العصا مسحورة، فيخرج منها مارد ويخبرني بالحقيقة، غير أن الغبار ملأ فمي وأثار سعالي!

رفعتُ الصندوق، كان فيه بضع صور بالأبيض والأسود، وقصاصات اصفرّ ورقُها إلا أن الحبر فوقها ما يزال واضحاً، نفضت الغبار عن الصورة الأولى فكشفت عن صورة عائلة مكونة من أربعة أبناء يرتدون بزات رسمية وفتاتان، يقفون وراء والدَيهم اللذين كانا يجلسان على كرسي،كانوا كلهم يرسمون ابتسامة خفيفة على شفاههم، قلَبتُ الصورة فوجدت اسم أستوديو شهير -في ذلك الوقت- يقع في شارع السينما في مدينة إربد.

نفضت الغبار عن الصورة الثانية. كانت لطفلة في السابعة من عمرها، شعرها مضفّر، في نهايته شريطة من الساتان. بدا أنها ترتدي ملابس المدرسة من ياقة فستانها مدوّرة الشكل. كانت عيناها جميلتين مفعمتين بالبراءة والنشاط. قلبتُ الصورة فوجدتها خالية من الكتابة، مما أثار فضولي لمعرفة اسم الفتاة. إلا أن تقليب بقية الصور بدّد ذلك الفضول قليلاً، فمع الصورة الثالثة التي كانت لثلاثة صبية يرتدون ملابس رياضية، ظهرَ أحدهم يرتكز بقدمه اليسرى على كرة، كان يشبهني في ملامح الوجه قليلاً. أطلت التأمل في الصورة، فرأيت تاريخاً غير واضح أسفلها، وبعد جهد خمّنتُ أنها تعود لعام 1960.

أمضيت بعض الوقت وسط الصور، وعندما اقتربت الساعة من السادسة صباحاً قررت تأجيل مشاهدة البقية إلى وقت لاحق، عدت إلى سريري وغفوت بعد أن ملأ الفضول قلبي لمعرفة المزيد من المعلومات عن ساكني الكوخ.

في الصباح بحثت عن موظف الاستقبال،كان يقف بعيداً، لوّحت له بيدي داعياً إياه أن يحتسي الشاي معي في الكوخ، تركتُه يقلّب بصره بين الصور بينما كنت أصبّ الشاي في فنجانه، سألته أسئلة عدة، إلّا أنّ شُحّ معلوماته سبّب لي الضجر قليلاً، فلا توجد معلومات كثيرة عن أسماء أفراد تلك العائلات التي عاشت هنا، بالإضافة إلى أن المالك الأخير انقطعت أخباره مجرد بيعه للكوخ.

لم أجد سوى خيالي ينسج حكايات عن أحداث تلك العائلات اليومية لأعيش في تفاصيلها، فأجد نفسي أكثر تعلَّقاً بها يوماً فيوم، وكأني فرد من أفرادها، فمرة أنسج مشهداً تجتمع فيه العائلة في الصورة الأولى حول مائدة الطعام؛ الأب يجلس عند رأس الطاولة، الأم على يمينه، بينما الأبناء يتحلّقون حولهم، يلقي الأب عليهم خطبة قصيرة -كما جرت العادة في ذلك الزمن- ثم يتناولون طعامهم في هدوء وسط مشاكسة بين الفتاتين تنتهي بتوبيخٍ من الأب.

آه كم أتمنى لو حظيتُ بهذا الدفء العائلي في حياتي، فمع انفصال والدَيّ، تنقّلتُ بين بيوت أعمامي، فكنت شِبْه ابن، لذا لم أشعر بهذا الدفء يلمس روحي يوماً.

وفي مرةٍ أخرى تخيّلت الأولاد في الصورة الثالثة وهم يلعبون في الساحة الخارجية بنشاط، وقد رمى ذلك الولد الذي يشبهني الكرة بطيش فكسرَت نافذة الكوخ فهرب مختبئاً في قنّ الدجاج خوفاً من العقاب الذي سيحلّ به، إلّا أن ابتسامة الفتاة في الصورة الثانية وهي تربّت على كتفه خفّفت وقع الأمر عليه. كنت أمضي الساعات ناسجاً مشهداً تلو الآخر مستذكراً عبارة أحدهم: "عائلتي كحبّات المطر، تملأ بالحب روحي".

مضت الأيام سريعاً في المنتجع، التقطتُ قدر المستطاع من الصور، ومع مغيب شمس اليوم الأخير أرجعت مفاتيح الغرفة لموظف الاستقبال وفي قلبي غصّة الفراق لهذا المكان الذي يضم في أحشائه أجمل القصص.

بعد شهر قمت بافتتاح معرض الصور خاصتي، كان هناك إقبال لافت من الجمهور، وقد تجولوا بين أركان المعرص يتأملون الصور ويستفسرون مني عن بعضها، كانت الأجواء رتيبة بعض الشيء حتى ظهرت سيدة، وهي السيدة نفسها التي التقيتها في المنتجع ذلك اليوم، فقد أخبرتها عن موعد الافتتاح ودعوتها لحضوره. اصطحبتُها لتشاهد الصور، كانت تبدي رأيها تارة وتكتفي بنظرة سريعة تارة أخرى، حتى توقفتْ أمام صورة تشبه في عناصر تكوينها الصورةَ الأولى التي وجدتُها في الكوخ إلا أنني أضفتُ نفسي في الصورة لأكون أحد أفراد العائلة، فقد أراد الزمان أن يكون لي مكان يحتضنني بحنان وسط هذه العائلة ويعوضني ما عشته من حرمان. وبينما السيدة تتأمل الصورة بفضول، سألتني وابتسامة خفيفة على شفتيها الرفيعتين: "هل هذه عائلتك؟"، فرسمتُ ابتسامة على شفتَي أوسع من ابتسامتها وقلتُ في نفسي" آه لو تعرفين!".