لا يختلف إثنان (أحدهما معالي وزير التعليم العالي) على أن مجالس الحاكمية (أفراداً وجماعات) تحتاج «صيانة» لإسلوب إدارتها في بعض أجزاءها Management Maintenance وتدخل جراحي في أجزاءٍ أخرى Surgical Intervention إذ لا يُعقل أن تفتح الجامعات العالمية مختبراتها ومراكزها البحثية «لأصحاب الاختصاص» لمواجهة جائحة كورونا في الوقت الذي هُجرت فيه مراكز البحث العلمي لنفس الغاية في جامعاتنا. ولم توفر مجالس الحاكمية فضاء إبداعياً وبيئة مناسبة وآمنة لإستثمار هذه العقول. بل أنه في خِضم وجود عشرات الإتجاهات الحديثة في التعليم ?لعالي كانت إستجابة جامعاتنا لجائحة كورونا ضعيفة جداً وبالذات في التعلم عن بُعد، ناهيك عن التعلم الألكتروني. تتضمن هذه المقالة «رؤوس أقلام» لرؤية جديدة للتعليم العالي، كانت قد نوقشت على هامش فكرة دمج وزارتي التعليم العالي والتربية. وتهدف إلى تطوير جودة التعليم والبحث العلمي والإبتكار والحاكمية والمساءلة والتنمية المستدامة، وتضع مفهوماً جديداً لمجلس التعليم العالي وتمنح هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها المساحة الكافية للتركيز على جودة التعليم، وتؤكد على دور الجامعات الرئيس.

مؤشرات مثيرة للقلق:

من بين العديد من المؤشرات المُثيرة للقلق في التعليم العالي والتي تستدعي رؤية جديدة: مؤشرات البحث العلمي، والإنتاجية العلمية. إذ أن عدد الابحاث العلمية المنشورة من قِبل جامعة عربية واحدة يفوق ما نشرته الجامعات الأردنية مجتمعة منذ التأسيس. بل إن ما نشرته حوالي 20 جامعة خاصة في الأردن لا يساوي أكثر من 20-25% من مجموع ما نشرته هذه الجامعة!

مجلس التعليم العالي

تضمن الرؤية مُقترحاً بفصل مجلس التعليم العالي عن وزارة التعليم العالي، بحيث يصبح المجلس مجلساً متفرغاً لرسم السياسات، ويعتمد في قراراته الإستراتيجية على دراسات معمقة وليس على العصف الذهني الدارج في أغلب الأحيان، وهذا يتطلب «تركيبة» جديدة للمجلس والتركيبة مفهوم مختلف عن التشكيلة، والمقال لا يتسع لمزيد من التفصيل. ومن أهم الملفات التي تحتاج علاج، ملف «الحاكمية» الذي لم يُحظ بدراسات معمقة، وإن أُتخذ به قرارات مفصلية لكنها لم تُعط أُكلها، فالأدوات القديمة لم تعُد مجدية. القضية لا تُحل من خلال إصدار أنظمة لأن ا?مشكلة في التطبيق وترك مساحة واسعة للتدخل. فمثلاً، برأيي الشخصي، وبعد التجربة، إن مسالة «الإستقطاب» خطوة أكثر خطورة على مبادىء النزاهة والشفافية وتزيد من خطورة وسلبية اعادة تدوير أسماء جُربت سابقاً، فمن لديه شيء اعطاه. فالعاديون كُثر والمميزون قلة. فالجامعات تحتاج اصحاب قدرات فنية إستراتيجية ذوي صفات متكاملة. ولا يجب تعيين أسماء بمناصبها السابقة أو الحالية. الفيصل هو الإنجاز المبني على القدرات الشخصية القادرة على قيادة فريق ضمن مبادىء الحاكمية والتي تتضمن: النزاهة، والشفافية، والمساءلة، والمسؤولية، والمساوا?. وفي هذا الصدد يجب عدم تعارض حاكمية التنفيذ مع حاكمية الرقابة.

وبعد التجربة فإن تقييم القيادات الاكاديمية لن يؤتي أُكله من خلال سرد عدد من المعايير، بل يتأتى من خبرة وذكاء في الاستنباط وقراءة فنية معمقة لما بين السطور، وعمل لقاءات وزيارات ميدانية، ومقاربات معيارية مع نظائر عالمية، وعدم مقارنة جامعة محلية أو رئيسها بأخرى. واضرب مثالاً على مؤشرات أُعتبرت إنجازاً وهي من صلب الاداء الروتيني للجامعة ومجالسها وهو حصول الجامعة على اعتماد محلي لبرامجها!!

صندوق البحث العلمي

إن دراسة الأثر أهم من البحث في الاجراء. وواضح أن الصندوق لم يعالج أي من الأولويات الوطنية ولم يضاعف الإنتاج العلمي. فحان الوقت لإستبداله بمراكز بحث وطنية متخصصة كما هو معمول به في دول عديدة، أو توجيه دعم مباشر للبحث العلمي في الجامعات ضمن محددات ومؤشرات أداء عصرية.

هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها

تضمنت الرؤية أن تتخلى الهيئة عن ثلاثة ملفات علقت بها عبر السنين وحرفتها عن مسارها الأساسي. لتعود أكثر تركيزاً على محورها الأهم والخاص بنوعية وجودة التعليم وربط ذلك بحاجة السوق ومن خلال مقاربات معيارية عالمية وتطوير أدواتها وقدراتها بما يحاكي الهيئات العالمية، وفحص تحقيق الجامعات لمعايير الجودة التالية بأدوات إستثنائية وعصرية.

الجامعات..

ولعل أهم هذه الملفات الغائبة الحاضرة: ملف «التدريس»، الممارس على السليقة. وعليه، ينبغي على الجامعات الأردنية أن تتبنى وتمارس الطرق الحديثة في التدريس وتستخدم التكنولوجيا المتطورة لتحقيق ذلك. إذ تتضمن الطرق الحديثة للتدريس ستَّ خطوات متسلسلة (Instructional Activity Sequence)، يقع خلالها جزء كبير من التعلم على الطالب وقدراته وجهده في البحث والاستقصاء. ويجب أن تُبنى الخطط والبرامج على أهداف تعليمية واضحة، ونتاجات تعلُّم محددة، ومؤشرات أداء دقيقة. ويجب أن لا يقتصر التقييم على الامتحان، فلا بد من تجاوز المفهوم ?لتقليدي: المتضمن ثلاثة امتحانات خلال الفصل الدراسي الواحد، إلى مفهوم البحث العلمي في التدريس، من خلال الأبحاث والواجبات وقياس المهارات. بحيث يكون الطالب محور نشاط العملية التعلمية (proactive)، وهذا من الأمور التي يمكن أن تهيّئ الطالبَ لسوق العمل.

وتعتبر الرسوم الجامعية المصدر الرئيس لإيرادات الجامعات، وفي غياب قرار سياسي لرفع رسوم الطلبة (أو توفيقها) بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية تبرز الحاجة الماسة لأن تضع كل جامعة خطة تضمن ديمومة وتنوع الإيرادات مع الاخذ بعين الاعتبار أن الإنفاق على التعليم في الأردن يعتبر استثماراً وطنيّا يدخل في إطار إعداد الموارد البشريّة للاضطلاع بمسؤولية التنمية والمفترض أن يتحوّل هذا الاستثمار على المدى المتوسط إلى عوائد اقتصادية أي إلى نموّ أفضل. وعليه أصبح من المهمّ أن تتحوّل الرؤية للتعليم العالي في الأردن من رؤية اج?ماعيّة صرفه إلى رؤية عمليّة ترى فيه مشروعاً استثمارياً ذا طبيعة خاصّة، بحيث يخضع التعليم الجامعي لحسابات التكلفة والعائد الاقتصادي. دون ان تؤثر سلباً على جودة التعليم بل تكون العوائد رافداً أساسياً للتطوير.