كيف ستقرأ ما لم يكتب بعد؟ لذلك فقد سبقت الكتابة القراءة، وكانت في بداياتها جزئية ومختصرة لا تغطي طيف اللغة كاملاً، ومحصورة في حفظ بعض الأرقام والسجلات الضرورية، التي لا تحتمل عبث ذاكرتنا ببعض تفاصيلها، كالضرائب والمحاصيل وحجج الأراضي والبيوت، ومن ثمة تطورت الكتابة لتشمل أغلب منطوق اللغة لتتطور بعدها كأداة لضبط وتهذيب منطوق اللغة، وهنا أخطأ مجتمعنا بكل أطيافه فقدت تعلمنا القراءة ونسينا اتقان الكتابة وفي هذا علة التخبط في إدارة أزماتنا وملفاتنا الساخنة المحدثة والقديمة.

أي خلل في منظومة تعلم الكتابة سيؤدي الى تشوه معادلة التعلم والمعرفة، كالتشوه الموجود في علاقة المجتمع مع مجلس نوابه، واضطراب الثقة بين الرابع والشارع، والعطب الذي أصاب النخب الأردنية عمومًا وأقعدها عن النهوض بواجباتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكل ما يهدد وحدة المجتمع وتماسكه وقدرته على التكاتف والتعاون والاشتباك مع قضاياه.

نخبنا تعلمت القراءة قبل الكتابة، فهي لا تملك ما يؤهلها لتكون نخبًا غير علاقات الدم أحيانًا أو صلات المال، ووهم التأثير المسرحي على الشارع عبر وسائل التواصل، لذلك تعجز عن القيام بواجب إيصال الرسائل والتأثير الضروري من والى عقل الدولة، ولا تملك أن تؤثر على مزاج الأردنيين، وتعيش بفقاعة معزولة عن واقع مجتمعها، لفشلها في تحسس واستشعار هموم الناس والتعبير عنهم بلسان حالهم.

مجلس النواب أيضا تعود على منح الثقة للحكومة بدل حيازتها من الناس، فبعض النواب لم يجدوا حاجة في كسب ثقة الأردنيين والحفاظ عليها كضرورة لوجودهم تحت القبة، وظنوا أن قوى أخرى تضمن لهم ذلك الكرسي، مما عرض المؤسسة عمومًا لهجوم أصوات مريبة تنادي بحلها وتشكك بدورها، وهي المؤسسة التي تمثل صوت الأردنيين ورافعتهم للتدخل في رسم السياسيات والتوجهات وضبط سير الحكومة.

المجتمع كذلك يعتريه غالبا عدم الرضى الممزوج مع بعض اللامبالاة عن الأداء الحكومي والأوضاع الاقتصادية والنخب الاجتماعية وإدارة الازمات، فحسب استطلاعات الرأي، جزء كبير منه ينتظر أن يعطى حقوقه دون أن يطالب بها ويمتلك أدوات صيانتها وادارتها، كأنه يريد أن يكون حاضرًا وهو غائب، يتململ من الخطط والقرارات الحكومية من دون أن يمتلك او يتبنى تنظيرًا موازيا وحلا بديلاً.

قدم الوباء بكل تحدياته وتبعاته فرصة تاريخية للخروج من تراكمات الأخطاء التي نعاني منها اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، فعبور الازمات الكبيرة هي وسيلة المجتمعات لخلق نخبها، والتراحم والتلاحم فيما بينها لتحفظ وحدتها وتماسكها، كما أن حسن إدارة المواقف الصعبة وحماية مصالح الناس والعبور بهم الى بر الأمان واتباع الشفافية والمصارحة، هي بوابة الحكومات لنيل ثقة الجمهور ودعمه لمواجهة التداعيات الارتدادية، مستندة الى داخل صلب ومتماسك، يمكنها من القيام بالإجراءات الصعبة والجريئة التي سنحتاجها قريباً.

الازمات فرصتنا لنتعلم جميعا الكتابة قبل القراءة، ونبدأ من جديد، فمع كل حرف «رمز» نتعلم كتابته سنتقن قراءة الواجب أكثر، وكلما أتقنا الكتابة، سيزيد تمكننا من قراءة ما يجب فعله، لتطّيع ألستنا لغة المواطنة بمهارة أعلى، ولنبني هذا الوطن ونخدم هذه الأمة.

Saifalrawashdeh@gmail.com