الرأي - رصد

أثارت برامج رمضان بغض النظر عن نقاش الجودة والرداءة، شهية عدد من الفئات المهنية التي اعتبرت بعض المشاهد في هذه البرامج من سلسلات ومسلسلات وسيتكومات، تسيء لهم بشكل مباشر وبشكل مهين حسب ما ورد في بلاغات أصحاب هذه المهن، مثل المحاماة والتمريض والعدول ونقابة تمثل الموظفين في السكك الحديدية.

المسألة لم تقف عند عتبة النقد والاحتجاج، بل تجاوزتها إلى تقاطر الشكايات على الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وطالبتها بوقف بث بعضها. أما المحامون فقد رفعوا دعوى قضائية بالمحكمة الابتدائية في الرباط، ضد سلسلة «قهوة نص نص» من أجل وقف بثها بشكل نهائي.

وعبرت النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية، عن قلقها واستغرابها الكبيرين، من بعض ردود الفعل المفاجئة وغير المستساغة إزاء إنتاجات الدراما التلفزيونية الرمضانية، والتي رأت فيها بعض الفئات المهنية مسا بها وتبخيسا لها.

وحسب بلاغ للنقابة، فإن انتقاد أشكال ومضامين الأعمال الفنية من طرف الجمهور العريض والنقاد ومختلف الشرائح الاجتماعية، حق مكفول ومشروع، بل مطلوب استثماره لتنمية وتطوير إنتاجنا الوطني والرقي به.

الذوق السليم للبشرية

وأوضحت النقابة في بلاغها، أن النقد الاجتماعي في الأعمال الفنية عموما والدرامية منها على وجه الخصوص، مبدأ كوني مكفول قانونيا ودستوريا بموجب الفصل 25، ويبقى للجمهور والنقاد حق وحرية الانتقام، بل وحتى الرفض من الناحية الفنية، لكن دون أي محاولة للتضييق على حرية الإبداع أو المس بها.

ووفق البلاغ نفسه، فإن مسألة تناول الأعمال الفنية للعيوب الاجتماعية مسألة تعاقدية تواضع حولها الذوق السليم للبشرية منذ القدم، وليس هناك أي عمل درامي وكوميدي كيف ما كان مستواه الفني، لا ينطلق من صراع ولا يصور عيوبا وفضائل اجتماعية على حد السواء.

وشددت النقابة على أن الإبداع الفني يكتسي دائما طبيعة رمزية مهما بلغ من واقعية، ولا تبدو عناصر التبخيس والتحقير والإساءة جلية إلا عندما تكون مقحمة بلا سياقات، أو تتم بشكل مباشر دون حكاية أو أحداث أو مواقف، أو عندما يكون لها هدف تحريضي مباشر وواضح، وهو أمر غير حاصل في أي عمل من الأعمال المعنية.

وعبّرت النقابة عن أسفها لبروز مثل هذه المحاولات غير المفهومة للتحريض ضد حرية الإبداع، بمبررات واهية، وبعيدة كل البعد عن مفاهيم ومعايير النقد الفني، متناسية أن رهان الحق في التعبير مرهونا أساسا بحرية التعبير والإبداع والرأي، كما ينص على ذلك الدستور المغربي، وأن مجال الحريات الذي تسعى لتوسيعه كل القوى الحية داخل المجتمع المغربي، كان وسيبقى أحد الركائز الأساسية للمشروع المجتمع الحداثي الديمقراطي الذي يسعى إليه المغرب.

والجدير بالذكر، أن «الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري» تلقت عددا من الشكايات ضد برامج رمضان المبثوثة على القنوات المغربية، خاصة الأولى والثانية «دوزيم» والتي صدرت عن المحامين والعدول وانضم إليهم الممرضون والسككيون.

وكانت أولى الشكايات التي طالت سلسلة كوميدية تحت عنوان «قهوة نص نص» صادرة من الجمعية الوطنية للمحامين الشباب، التي طالب بإيقاف بثها.

وحسب شكاية جمعية المحامين الشباب، فإن السلسلة المذكورة تسيء لمهنة المحاماة، من خلال تقديم صورة نمطية بعيدة كل البعد عن الأخلاق المهنية والاحترام الواجب لأصحاب البذلة السوداء. المحامون الشباب وجهوا شكاية إلى «الهيئة» كما رفعوا دعوة استعجالية بالمحكمة الابتدائية بالرباط، يطالب فيها محام بوقف بث السلسلة.

«النقابة الوطنية للعدول»

وعممت «النقابة الوطنية للعدول» بلاغا تنتقد فيه بشدة «المغالطات القانونية» التي تضمنتها إحدى حلقات المسلسل المغربي «الصلا والسلام». واعتبرت النقابة أن المعطيات التي تداولتها السلسة تمس بشرف المهنة وكرامتها ووقارها، مشيرة إلى اعتزامها إشعار رئاسة النيابة العامة بهذه المغالطات القانونية والإهانة التي تضمنتها إحدى الحلقات لمهنة قانونية مساعدة للقضاء، مع احتفاظها بحقها في اللجوء للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.

أما «النقابة الوطنية لمستقبل السككيين» فقد وجهت بدورها رسالة احتجاج إلى «الهيئة» بسبب ما تضمنته الحلقة العاشرة من سلسلة «كلنا مغاربة» والتي ذكرت اسم السككي «عبد الله الشومينو» بشكل اعتبرته النقابة استفزازيا وتحقيريا في حق رجال ونساء السكك الحديدية.

ورابع الشكايات جاءت من الممرضين والممرضات، الذين تداولوا تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي تندد بما تضمنه مسلسل «بنات العساس». واعتبر الممرضون بعض المشاهد مذلة ومسيئة لهم، داعين إلى تصعيد احتجاجهم ضد هذه السلسلة.

وكشفت «الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري» الأحد، عن موقفها من هذه الشكايات او بعضها، وخاصة تلك المتعلقة بالمحامين، وشددت في بلاغ لها، على أهمية صون حرية الإبداع، بعد تلقيها لعدد من الشكايات بشأن أعمال تخييلية تلفزية.

وحسب بلاغ في الموضوع، فإنها «تتلقى بشكل متواتر شكايات يتقدم بها أفراد أو جمعيات أو تنظيمات مهنية للاحتجاج على تضمن بعض الأعمال التخييلية المعروضة على القنوات التلفزية الوطنية لمشاهد وحوارات تعتبرها ماسة بمهن معينة ومسيئة لمنتسبيها».

وأضافت أنه خلال شهر رمضان، يسجل ارتفاع ملحوظ في عدد هذا الصنف من الشكايات اعتبارا للبرمجة المكثفة للأعمال التخييلية من إنتاج وطني (مسلسلات، سيتكومات وسلسلات فكاهية) وتزايد الإقبال على متابعتها.

المجلس الأعلى

ووفق بلاغ للهيئة، فإنه «بعد دراسة مجموع هذه الشكايات والتداول بشأنها والبت فيها، قرر المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري تجديد التأكيد على أن حرية الإبداع الفني كما هي مضمونة دستوريا، لا سيما في الأعمال التخييلية، جزء لا يتجزأ من حرية الاتصال السمعي البصري كما كرسها القانون؛ إذ لا يمكن للعمل التخييلي أن يحقق وجوده ويكتسب قيمته دون حرية في كتابة السيناريو، وفي تشخيص الوضعيات والمواقف، وفي تحديد الأدوار وتمثل الشخصيات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعمل هزلي أو فكاهي».

وأكدت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري

على أن الغاية الفضلى للتقنين هي إعلاء قيم الحرية وتحرير طاقات المبادرة والإبداع ولفت الانتباه إلى كل ما من شأنه كبح تحقيق هذه الغاية، إسهاما في تعزيز ثقافة إعلامية وتواصلية مستنيرة.