عبر بيان غير مسبوق في نصِّه ومفرداته، أعلنت جماعة «الاخوان المسلمون» في ليبيا «انتقالها» إلى «جمعية» تحمل اسم «الإحياء والتجديد» مُبرّرة ذلك بالقول: إيماناً منها بأن المدخل الحضاري للتغّيير والنهضة هو «العمل المجتمعي", للإسهام في قيام مُجتمع مدني لا يَضيق بالتنوّع والإختلاف».

وإذ بدت مُصطلحات البيان جديدة على خطاب الجماعة المعروفة, خاصة «إحتشاده» بالوعظ واحتكار الحقيقة واحتكار تمثيل المسلمين كافة, مُوزِّعة صكوك الغفران والتكفير, والإتهام بالزندقة والخروج على تعاليم الإسلام. فان من المبكر المُسارَعة الى قبول هذا التحوّل المفاجئ ومغادرة مربع «الجماعة» خصوصاً في شأن العلاقة مع التنظيم الدولي, الذي ما يزال يرسم سياسات «الجماعات» الاخوانية المُختلفة, رغم ما شاع عن قطع بعض الجماعات علاقاتها مع التنظيم، مثل إخوان تونس (حركة النهضة/راشد الغنوشي) والجماعة الفلسطينية (حماس), وما قيل عن احزاب اخرى غيّرت إسمها (إخوان المغرب/التوحيد والإصلاح/حزبها العدالة والتنمية) والسودان..."حزبا» البشير/ المؤتمر الوطني, والترابي/المؤتمر الشعبي), ما يدفع للإعتقاد في ظل عدم استقرار ليبيا والاحتمالات المفتوحة لحدوث تحوّلات مُفاجئة في المشهد الليبي, ليس فقط في ما تحاول حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة تكريسه من تحالفات ومعادلات قبل 25 كانون الأول المُقبل, بان تحوّل الجماعة الى «جمعية» قد يكون خطوة تكتيكية, لإيجاد «مطرح» لها في المشهد الآخذ بالتشكل والبروز. ناهيك عمَّا يمكن ان تُسفر عنه الانتخابات المقبلة من نتائج كاشفة للأوزان والأحجام, التي هي عليه الاحزاب والحركات الاسلاموية التي تمتعت منذ الغزو الاطلسي بكثير من النفوذ والدعم, والذي تجلّى بسيطرتهم على العاصمة طرابلس. خاصة بعد الغزو التركي لليبيا وعقد صفقات مع أنقرة.

بيان تحول جماعة «الاخوان» الى «جمعية» حفِل بكثير من الإشارات والعزف على لحن مظلومية لحقت بالجماعة خلال عشر سنوات زاعمة تعرّضها لـِ"التشّويه والتزوير بغية إقصائها عن مُجتمعها ونشر ظلال الشك حول أهدافها النبيلة»، كما ورد حرفياً....لكن مُجرد تغيير اسمها وتحولها الى جمعية تحمل إسم «الاحياء والتجديد»..إحياء بالدعوة الى «التمسّك» بمنهج الاسلام الوسطي وتعاليمه, وإشارتها الى أن «التطور» جاء عقب مؤتمري الجماعة العاشر والحادي عشر, وبعد جولات من الحوار والبحث انتظم فيه أعضاء الجماعة في وُرش عمل متعددة»..لا يدفع للتأكد من صدقية ونِهائية هذا «التطوّر/التحوّل» الذي قد يكون مُجرد كلام لا أسانيد نظرية/عملية/نظام داخلي يحِسم القطيعة المزعومة مع فكر وأهداف ومقاصد جماعة الاخوان الام,بعد ما رأيناه في «المُراجعات» التي أجرتها جماعات/قيادات اسلاموية وخاصة مصرية, لم يلبثوا التحوّل عنها والتنكّر لها والإنخراط في إعمال ارهابية, واضعين انفسهم في خدمة مخططات/اهداف لدول نجحت في تدمير مجتمعات عربية/اسلامية, كما ليبيا نفسها وسوريا/اليمن/العراق.

هل نُذكّر بالوصف الذي أطلقه الأب الروحي للإخوان المسلمين/الشيخ حسن البنا على الديمقراطية...كـ"نظام تافِه مُتداعي»..وان «الحزبية أفسدتْ على الناس كل مَرافق حياتهم».

الحاجة ماسة لقيام جماعات الاخوان الزاعِمة التحوّل عن فكر الجماعة بتسمية الاشياء بأسمائها, وعدم التلطي خلف التفسيرات/التبريرات العمومية التي تفوح منها رائحة المناورة وإحناء الرؤوس للعواصف. وغير ذلك لن يسهم الاّ بمزيد من التشكيك والحذَر من أساليبها الملتوية وحقيقة الأدوار التي تنهض بها, كما فعل زعيم الإرهابيين في إدلب/ابو محمد الجولاني, عندما أعلن عبر فضائيات اميركية: ان تنظيمه/هيئة تحرير الشام, لم يكن يُشكل يوما تهديداً أمنيا واقتصاديا لأميركا والدول الغربية. داعياً هذه الدول الى «مُراجعِة سياساتها حيال الهيئة».

kharroub@jpf.com.jo