عمان - فرح العلان

قال الشاعر الزميل أحمد الخطيب إنه يتفرغ في شهر رمضان للعبادة ومحاسبة الذات، لهذا تنقطع صلته فيه مع الإبداع، مشيرا إلى أنه بدأ مشروعا جديدا قبل رمضان بقليل، وأنجز منه صفحات عديدة، ولكنه ترك العمل عليه في أول يوم للشهر الفضيل.

وأضاف الخطيب في حوار مع «الرأي»، أن المشروع الوحيد الذي لا يغيّبه في هذا الشهر هو العودة إلى أعماله الشعرية يومياً للوقوف على مقومات التجربة ومآلاتها.

وأوضح الخطيب أن القراءة «فعل إبداعي» لا يمكن لأحد أن يقرر موعد مجيئه، وأنها «وليد حالة إبداعية» تؤدي به إلى اللجوء شغفاً إلى المكتبة ليختار ما يروي عطشه.

وتالياً نص الحوار:

*يتسم شهر رمضان الكريم بالأجواء الروحانية والشعائر التي لا تتكرر في بقية شهور السنة، لكن جائحة كورونا فرضت محددات وقيوداً على الحياة اليومية لا يستسيغها كثيرون. كيف توفّق بين هذين الأمرين؟

على المبدع في ظل هذه المحددات والقيود أن يبتكر لنفسه مقاماً جديداً يلتفت معه إلى الذات التي أتعبها روتين الحياة، كأن يتفرّغ للقراءة أو ممارسة الرياضة المنزلية أو إعادة نفخ الروح في العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة التي أجهدتها منازل العمل اليومي، هذا على المستوى المعيشي، أما على المستوى الروحاني، ورغم انقطاع الإنسان عن بيئته الطبيعية الحاضنة للاطمئنان (المسجد) في هذا الشهر المبارك والتي تؤدي إلى انجذابه بالكلية للشعائر، فقد عملت على نقل هذه المساحة إلى البيت، حيث أمارس رفقة العائلة، الطقوس ذاتها التي كنا نمارسها في المسجد، لكسر القيود التي فرضتها الجائحة، مع إفراد مساحة لإعادة ترتيب الأمور كما ينبغي لها والمواءمة بين شتات الحياة اليومية والأجواء الروحانية.

•برأيك، ما مدى تأثّر الطقوس العائلية والاجتماعية خلال الشهر الفضيل بالتدابير الحكومية للحدّ من انتشار الجائحة (والتي من أبرزها حظر التجول)؟ وكيف تتعامل مع هذه المسألة؟

التأثير واضح وجلي، فقد اختفت هذه الطقوس على مستوى العائلة الكبيرة، فالطقوس في هذا الشهر المبارك لا يكتمل سراجها إلا عبر تلمّس الفرح بالزيارات الليلية بعد صيام نهار كامل، وهو وقت يستدرجه المبدع الذي يقضي أيامه العديدة في بقية شهور العام بين العمل والقراءة والكتابة وحضور الندوات، أما وقد ألزمنا الحظر الليلي المكوث بين جدران المنزل، فعلى المبدع كما أسلفت أن يبتكر مقاماً جديداً، يعيد من خلاله أنوار هذه الطقوس التي اختفت تحت تأثير هذه الجائحة، كأن يعقد أمسيات رمضانية عائلية ليلية على منصات التواصل.

•هل تضع برنامجاً محدداً للقراءة في الشهر الفضيل، أم إن الأمر متروك للصدفة؟ وما نوع الكتب التي تقرؤها أو تفضّل قراءتها خلاله، مع أمثلة عليها؟

القراءة فعل إبداعي، لا أستطيع أن أقرر متى يجيء، ولم يسبق أن وضعت برنامجا محددا للقراءة في باقي أيام السنة. وهي وليدة حالة إبداعية تؤدي بي إلى اللجوء شغفاً إلى المكتبة لأختار ما يروي عطشي، وأعتقد أن هذه الحالة تصفّد في هذا الشهر تحديداً، ربما لأني بحاجة إلى مسارات أخرى تتماس مع حاجة الروح إلى الالتفات لما يقارب صيام النهار مع تجليات الليل والإفطار، لهذا ألجأ إلى القرآن الكريم وكتب التفاسير ومشاهدة بعض البرامج الدينية.

•هل تواصل مشاريعك الإبداعية في شهر رمضان، أم تنقطع عنها لخصوصيةِ هذا الشهر؟ وما آخر المشاريع التي اشتغلت/ تشتغل عليها؟

شهر الصيام هو شهر للعبادة والتفرغ لمحاسبة الذات، شهر أريده أن يكون خالصاً لتدريب الروح على تقبل الكثير من الخصائص التي تطحنها عجلة الحياة ومادية اليومي وبرمجتها من جديد. بهذا الشهر تنقطع صلتي مع الإبداع، أو أحاول قطع تجلياته، ولا ألتفت إلى مشاريعي، ولو كانت دخلت حيز التشكّل قبل رمضان، فهناك مشروع جديد بدأت ملامحه وخطوطه الأولى قبل رمضان بشهر، وأنجزت منه صفحات عديدة، بعنوان «أحلام المومياء»، ولكني تركت العمل عليه في أول يوم للشهر الفضيل، أما المشروع الوحيد الذي لا أغيّبه في هذا الشهر فهو العودة إلى أعمالي الشعرية التي أعود إلى محطاتها يومياً للوقوف على مقومات التجربة ومآلاتها، ربما هي وقفة للتأمّل، أو وقفة للتساؤل، أو وقفة للخروج برؤى جديدة أكثر مما هي مشروع عمل.

•هل ترى أن إقامة الفعاليات الثقافية والفنية افتراضياً وعن بعد، يمكنه أن يغْني عن الصيغة التقليدية لإقامة الفعاليات التي يكون فيها المشاركون والجمهور وجهاً لوجه، وفي مساحة واقعية محددة؟

الجمهور هو المحور الثالث في العملية الإبداعية، من دونه يكون العمل الإبداعي ناقصاً، فأنت من خلال مقاربة الجمهور «وجها لوجه» الذي ترى في عينيه محطات ما تقدمه من إبداع، تشكل صورة أو هوية واضحة المعالم لك ولتجربتك كمبدع، وتستطيع من خلاله أن تقرر القبول من عدمه. في هذا السياق لا بدّ أن تكتمل محاور العمل الإبداعي لتكون قادرا على محاسبة عملك، أما في العالم الافتراضي الذي أزاحنا إلى بيئته فعلُ الجائحة وأوامر الدفاع، فأعتقد أن هذا النقص في المحاور يؤدي إلى مناخ غير منضبط إبداعياً بقدر ما تحكمه صورة التنفيس عن بيئة الحظر وليس صورة الإرادة للحضور، بينما تستطيع في المساحة الواقعية المحددة أن تصل إلى قناعة أن من جاء إلى الأمسية جاء بفعل الشوق للاستماع إلى إبداعك.

•هل تعتقد أن الإيقاع المستجِدّ للحياة اليومية في ظل الجائحة سيستمر طويلاً؟ وهل واءمتَ ظروفَك لمواكبة هذا التحوّل؛ على صعيد العمل والحياة العائلية وممارسة الهوايات.. إلخ.

أعتقد أننا سنمارس هذا الإيقاع لزمن طويل، وربما أنه لا يشكل بالنسبة للمبدع عائقاً كبيراً، خاصة أن المبدع كثيراً ما يلجأ إلى عزلته الخاصة بين الحين والآخر، ويوائم الظروف التي يواجهها، والتي تعد من لوازم حياته، فكثيرة هي الظروف الضاغطة التي تحيط به، وكثيرة هي منجزاته في مثل هذه الظروف. فهو وليد لحظة تأمّل خاصة في العمل والشارع والبيت، لا يعيقه ضجيج الحياة ومنغصاتها، لهذا أعتقد أن من السهولة بمكان أن يتغلّب المبدع على هذا المستجد الواقع بين فعل الإبداع والحياة التي تفرضها أو ستفرضها الجائحة على المدى القصير أو الطويل.

•إلى أيّ مدى ساهمت الجائحة في منحك فرصة للتأمُّل، ومراجعة الذات، وإعادة ترتيب أوراقك في علاقتك مع نفسك ومع الآخرين عموماً؟

مراجعة الذات غير محكومة بالجائحة، بالنسبة لي على الأقل، فأنا كثير الوقوف على بنية العلاقة التي تربطني مع نفسي ومع الآخرين، ولكن الجائحة سارعت في بلورتها وتمحيصها يومياً، كما ساهمت الجائحة بخلق حالة من التأمّل بخصوص اليومي المعاش الذي لم أكن ألتفت إليه سابقاً، فأصبح أكثر إلحاحاً، وربما سيكون الرافد الجديد لمشروع «أحلام المومياء» حال عودتي إليه بعد انتهاء الشهر الفضيل بإذن الله.

•إذا افترضنا أن قرار رفع الحظر الجزئي والكلي سيُتَّخَذ قريباً؛ ما أول شيء ستفعله للتحرر من ثِقَل القيود التي فرضها الحظر؟

سأحاول أن ألملم ما شاع في الذاكرة من مفردات طارئة على النفس البشرية، وأنطلق للكتابة حولها.. سأحاول أن أتمدد فوق جناح الأمل، للوصول إلى حالة رضا مع النفس ومع الآخرين.. وسأحاول العودة إلى منابر الشعر والمشاركة في الأمسيات التي هجرتها طويلا قبل الجائحة.