متاع الحياة الدنيا لا يتوقف عند كثرة المال، والشهرة والصيت الجاه، ولا حتى عند المناصب والرتب، فها هو هشام بن عبدالملك، الذي يعتبر من أعظم ملوك الدنيا قاطبة حينما كانت تأتيه جزية الصين شرقا والصقالبة في أقصى الشمال الغربي، فيجيب وقد سئل: هل بقي لك من متاع الدنيا شيء؟. فيقول: نعم، صديق صدوق رُفع التّكلّفُ بيني وبينه.

فهذه النعمة التي تتجسد بالندماء الأدباء، نجدها قليلة شحيحة لأننا غالبا لا نعتمد في جلَساتنا الـمُحاورَ الأنيق. فعندما نتجادل في شروق الشمس ونتنازع بيننا وتتعالى الأصوات، ولا نكلّف أنفسنا فتحَ نافذة البرهان والدليل ونبعد ستارة الجهل والظلم، وننظر هل الشمس مشرقة، فشروقها لا يحتاج إلى دليل.

فيلزمنا التنبيه في عالم متحضّر يتراكضُ لمعرفة جاذبية القمر، وبفرح باكتشاف الثقب الأسود بين مجرّات السماء، ويتسارع بالذكاء الاصطناعيّ، لصناعة المساعد والحارس والسائق والكاتب والمرافق ليتخذه صديقًا صدوقًا مخلصًا، بريبوتات مجهزة بتقنيات لا تخذل صاحبها. لكنه عالَم نسـي نفسه، فقد يتحوّل من إنسانٍ إلى آلةٍ.. أو كادَ!!. بلا شعور ولا أحاسيس.

ففي الزمن التقنيّ، ازداد التباعد والتنافر بيننا،بالأمس اكتشفنا عود الثقاب لنشعل به سراج الليل ونتسامر حوله، ونستدفئ بموقد الشتاء، وبحرارته نصنع الغذاء والدواء. لكن.. لم نلبث طويلا إلا و:«ألفرد نوبل» يستعبدُ عودَ الثقاب، لإشعال أصابع ديناميت اكتشفها وصنعها في ستينات القرن التاسع عشر، قبل مئة وستين سنة، مات خلالها ما لا يقل عن مئةً وستين مليون إنسان، بديناميته وأبناء عمومته، ولكنّ.. الحقّ يقال: فاز أكثر من مئةً وستين إنسانًا بجائزة «ألفرد نوبل» للسلام.. فيا سلام!!.

ولأجل السلام الذي أغرقته الغواصات، وطمسته النزاعات، فلنبدأ بأنفسنا، فما أجمل أن تحاور بيننا بحوار هادف فنساعد أنفسنا في مواجهة الحياة!!. ونستعين بأعمارنا على إدخال السرور عليها، لا أن نكرر أخطاءَنا ونحن نبدأ بالحوار عن الأسعار، ونمتدّ إلى دقائق العلوم والفهوم، فينشأ الخلاف بيننا ويتفاقم، فواحد يقول: هذا كوكب زحل، والآخر يقول إنه الزهرة وزحل قد رحل. وما هي إلا سويعة والجنود على الحدود، والقصف يمتد إلى الأحلام فيُفزعُها، وإلى الآمال فيقطّعُها، وإلى المشاريع فيقصمُها، وإلى بيوت الآمنين فيهدمها، ويمنع العابدون من العبادة والمرضى من العيادة، وتتقطع الأرحام بين دول الجوار فلا زيارة ولا وفادة.

فكم حاجتنا اليوم لآذان صاغية لحوار المودة والوئام، وأن يتوقف أولوا القوى بدون النّهى، عن القفز على الحواجز البشرية الآمنة، وعن إرسال الجيوش العرمرمة بطائرات «بائية» إلى الدول البدائية، ويحكّم الأقوياءُ إنسانيتَهم ولا يبتعدون عن فطرتِهم السليمة.

إن عُودَ الثقاب مصنوع لنشعل به النور لأجيال يتعلمون دروس الحياة ويذهبون إلى مدارسهم في الصباح المشرق بالأمل. إلا أنّ أصحاب القلوب السوداء يحوّلونه إلى ثقاب أسود يثقب وئام العالم وصحتهم ويشعل الدخان الذي ملأ جيوبا وأفرغ أخرى.. فهل نستيقظ؟.

ثمّ.. هل يوقظنا «كورونا» الذي تسبب بوفاة ما يقارب المليوني إنسان كانوا يأملون أعمارا أطول؟. وهل نطيل أعمارَنا بإطفاء الثقاب الأسود بالعقاب الأسود على المستبدين بقراراتٍ تسير بالعالم إلى الهاوية خلف المعتدين على أمن الآمنين؟ وهل سيسمو حوارُنا ليصبح حوارَ الإنسان لأخيه الإنسان؟.

أسئلة.. أجوبتها تحتاج إلى قلب الإنسان، لا إلى بطشه وغطرسته.

agaweed1966@gmail.com