«المعرفة العلمية لها مجالان: المناهج العلمية والتدريسية. وهي شأن من شؤون الدولة، ذلك ان المنظور العلمي لا يأتي من الكتب، بل من شكل التربية. أما المجال الثاني، فهو شكل الحياة الاجتماعية التي تأمر بالحوار والبحث والنقد».

هذا ما يقوله الناقد والمفكر د. فيصل دراج، في حوار أُجري معه قبل عدة سنوات، وهذا يعني ان المعرفة العلمية ليست مجرد ترف فكري نلقاه في الكتب. انها –وكما يشير هذا الناقد المعروف- تتوزع على المناهج العلمية وعلى شكل التربية التي تمارسها الاسرة والمدرسة والجامعة والفضاء الاجتماعي.

ما ذكره د. دراج يؤكده المنطق العلمي ونمط السلوك الانساني فإن كانت البيئة تطرد هذا المنطق ولا تحرص على ضبط السلوك الانساني فإن الحصول على «المعرفة العلمية» يبدو مستحيلاً. البيئة الاجتماعية هي الداعم او المثبط للمعرفة العلمية. تدعمها إن سادتها «الحرية» حرية الرأي والاختلاف، وتثبطها إن كانت هذه الحرية مقموعة جراء «الاستبداد». ومع الاسف فإن هذه الحرية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية لم تبلغ بعد الشأن المطلوب.

د. دراج حريص على ان تظل المعرفة العلمية بعيدة عن اجهزة السلطة. وحتى يتاح لها ذلك ينبغي خلق اجواء ديمقراطية حقيقية لا تقمع او تُروض المثقف لينخرط في جهاز السلطة.

وعن دور المثقفين العرب في العالم العربي يقول هذا الباحث والمفكر: «بالنسبة للمثقفين العرب، فهم يلعبون دوراً هامشياً في العالم العربي منذ فترة طويلة، فإنهم تعاملوا مع الثقافة العربية انطلاقاً من تصورات مختلفة، تعكس السياق السياسي الذي يعيشون فيه». ومع ذلك يستنثي د. دراج رموزاً مثل طه حسين ومهدي عامل وعبدالله بلقزيز وعلي أومليل وآخرين ممن تعاملوا مع الثقافة والمعرفة «كاداة منهجية نقدية لتحليل الواقع العربي». (نص الحوار منشور في مجلة «افكار»، عدد 206، كانون اول 2005).

فيصل دراج ناقد حريص على مفرداته حين يقيّم او يحاكم ظاهرة اجتماعية او ثقافية فهو مثلاً لا يحصر «الحداثة» في الحداثة الادبية.

وبكلماته «لا يجوز اختلاس الثقافة من ابعادها الاجتماعية»، لأن مثل هذا الاختلاس او الاختصار يهمش «الفكر النقدي». د. دراج يعتبر الثقافة او «الابداع» الذي يعمل على تهريب الانسان واقعه مجرد «لُعب لغوية» لا مضموناً انسانياً لها.

في عالمنا العربي نحن بحاجة الى تهيئة الاجواء للمعرفة العلمية، للثقافة التي تحلل الواقع الاجتماعي العربي بعيداً عن المواربة او تبرير عيوبه والدفاع عنها.