الرأي - رصد

صدرت مؤخراً تقارير أججت المخاوف من أن سلسلة إمدادات اللقاحات المضادة لفيروس كوفيد-19 ربما تتعثر بسبب نقص نوعية عالية الجودة من الرمال تمثل المُكَوِّن الرئيسي لصناعة مليارات العبوات الزجاجية اللازمة لحفظ هذه الجرعات الثمينة.

وقد تبدو هذه المشكلة كما لو كانت حجر عثرة مقدوراً عليه، نظراً لأن الرمال في نهاية المطاف تعتبر في أذهاننا مرادفاً للأشياء الموجودة بشكل لانهائي.

ولكن بالرغم من أن المخاوف من عدم توافر رمال السيليكا ذات الجودة الصناعية اللازمة لصناعة عبوات اللقاح هي على الأرجح مخاوف مؤقتة، يثير التحدي الكامن في توفير نوعية الرمال المناسبة لصناعة هذه العبوات أسئلة أعمق بشأن نطاق وتأثير استخدامنا للرمال بشكل عام.

وبالرغم من العناوين المثيرة للصحف التي تطالعنا بين آن وآخر وتسلط الضوء على هذه المشكلة، لم يشارف مخزون الرمال على مستوى العالم في حقيقة الأمر على النفاد حتى الآن، وذلك رغم أن هذه المادة الخام تعتبر من حيث الكم ثاني أكثر مادة تستهلكها البشرية بعد المياه، فيما يمثل قطاع الإنشاءات المستهلك الرئيسي للرمال.

ولكن حبات الرمال المستديرة التي تعصف بها الرياح في الصحاري حول العالم لا تمتزج بالضرورة بشكل جيد مع الأسمنت داخل الخرسانة، بمعنى أن هناك أنواع معينة من الرمال هي التي تصلح للاستخدام في أعمال البناء ويتم استخراجها عادة من ضفاف الانهار والشواطئ وقيعان البحار بكميات ضخمة لتلبية الحاجة لعمليات الإنشاء، ويترتب على هذه الحركة آثار بيئية واجتماعية كبيرة، حيث تؤثر على المصائد السمكية، وتُسَرِّع وتيرة تآكل الشطآن، وقد تستغل بواسطة عصابات إجرامية، بل وقد تؤدي إلى توترات دبلوماسية بين الدول، حسبما جاء في تقرير نشره معهد «تشاتام هاوس» البريطاني للأبحاث، والمعروف رسمياً بإسم «المعهد الملكي للشؤون الدولية».

ويسلط التقرير ،الذي شارك في نشره أولي براون المتخصص في مجال الطاقة والبيئة والموارد الطبيعية ولويز غالاغر الباحثة في مجال البيئة وعضو مبادرة مرصد الرمال العالمية التابعة للأمم المتحدة، الضوء على أنه نظرا لكثرة الاختلافات بين أنواع الرمال، فإنها تدخل في كثير من الصناعات والأنشطة في الوقت الحالي، من شق الطرق إلى صناعة مستحضرات التجميل، ومن المواد الغذائية إلى الصناعات الإلكترونية.

وكذلك فإنها عندما تخلط بالأسمنت والحصى، فإنها تتحول إلى خرسانة، وعندما تمزج بالبوتامين، فإنها تتحول إلى أسفلت، وعند تسخينها، فإنها تتحول إلى زجاج، وعندما تصب بكميات هائلة على أطراف الشواطئ، فإنها تتحول إلى أراض جديدة تتوسع عليها المدن الساحلية العملاقة مثل سنغافورة ودبي وهونغ كونغ.

وبالتالي ليس من قبيل المبالغة أن نقول إن الرمال والحصى هي العمود الفقري للعالم المعاصر.

ويقول براون وغالاغر في التقرير الذي أعدّاه أن مراعاة عنصر الاستدامة في التعامل مع هذا المورد الطبيعي تكتسب أهمية بالغة، في الوقت الذي يتجه فيه العالم إلى مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، حيث تحتاج مزارع الرياح وألواح الطاقة الشمسية إلى الرمال من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وأن هناك ثلاثة عناصر رئيسية من أجل تحسين استغلال هذه المورد الحيوي.

ويتمثل العنصر الأول في الوصول إلى فهم أفضل بشأن الاستخدامات الواسعة للرمال. وعادة ما تستند التقديرات بشأن حجم استغلال الرمال إلى مؤشرات بديلة مثل مبيعات الأسمنت على سبيل المثال، ولكن تقديرات منظمة الأمم المتحدة تشير إلى أن حجم الاستهلاك العالمي للرمال يصل إلى 50 مليار طن سنوياً، وهو ما يكفي لبناء جدار بارتفاع 27 متراً حول الأرض مرة كل سنة.

ولكن من المتوقع أن تكون هذه التقديرات أقل من الواقع، لأنها ترتكز على صناعة واحدة فحسب تدخل فيها الرمال.

وقد تزايد الطلب على الرمال بشكل كبير خلال السنوات العشرين الماضية بسبب النمو الهائل الذي تشهده الصين، وكذلك دول أخرى مثل الهند واندونيسيا التي تتجه بسرعة نحو النمو العمراني وتدخل في مرحلة الاحتياج الضخم للرمال.

وتشير تقديرات الخبراء إلى أن نحو ثلثي الطرق والمطارات وخطوط السكك الحديدية والمباني التي ستكون موجودة في عام 2050 لم تشيد حتى الآن.

وفي الوقت ذاته، فإن ارتفاع منسوب البحار والعواصف العاتية الناجمة عن التغيرات المناخية ربما يتطلبان بناء جدران خرسانية تمتد لآلاف الكيلومترات على الشواطئ.

ويتمثل العنصر الثاني في ضرورة الحد من الآثار السلبية لتعدين الرمال على الأنهار والأنظمة البيئية البحرية النشطة، حيث أن نطاق استخراج الرمال يبدأ من العامل الفقير الذي يحمل مجرفة ويدفع أمامه عربة يد انتهاء بمعدات التنقيب الضخمة التي تسحب ما يصل إلى 100 ألف طن من الرمال البحرية كل يوم.

ويوضح العلماء أن الرمال هي مادة ثقيلة ضخمة رخيصة في الاستخدام، ولكنها مكلفة في النقل من مكان إلى آخر، وهو ما يتطلب ضرورة تعدينها بالقرب من مكان استخدامها. وقولون أنه من الممكن استخراجها من أنظمة حفرية غير نشطة مثل مستودعات الرمال الأرضية في المحاجر على سبيل المثال، وكذلك من الأنظمة البيئية الرسوبية النشطة مثل ضفاف الأنهار والشواطئ وقيعان البحار. ولكنهم يحذرون من أنه يترتب على ذلك آثار بيئية مدمرة من بينها تناقص الطمي عند مصبات الأنهار وتآكل الخطوط الساحلية.

ويتمثل العنصر الثالث في تشجيع التعاون للتوصل إلى تقنيات ومناهج تساعد في جعل قطاع الرمال أكثر استدامة. ومن الناحية الإيجابية، هناك كثير من الأفكار المبتكرة التي يمكن تبادلها مثل التوصل إلى أساليب جديدة لإعادة تدوير مواد البناء، وابتكار مواد إضافية لزيادة كميات الرمال القابلة للاستخدام في الصحاري، وأخيرا ابتكار تصميمات انشائية لتقليل كمية الخرسانات المستخدمة في المباني.

وفي الوقت الحالي، لا توجد تكنولوجيا أو منهج علمي يوفر حلاً سحرياً لهذه المشكلة، ولكن هناك كثير من الأبحاث العلمية التي يمكن الاستفادة منها، حيث أن ادراك حجم استخدامنا للرمال والعمل على تحسين كيفية استغلال هذه المادة الخام سيعود في نهاية المطاف بفوائد جمة على البشر وكوكب الأرض.