رغم مرور عشرة أيام على صدور «المقالة» التي نشرها «20"جنرالاً ومائة ضابط رفيع المستوى واكثر من ألف عسكري فرنسي (كُلّهم متقاعدون), في المجلة الاسبوعية «فالوراكتويل", وانقضاء شهر على «البيان» الذي دبّجه «104» من جنرالات البحرية التركية، فإن أصداءهما ما تزال تتردّد في جنبات المشهدين التركي والفرنسي, خصوصا بانعدام اي رابط سياسي او فكري بينهما, سوى انهما صدرا عن لابسي البزّات العسكرية السابقين فيما دوافعهما السياسية...مُتباينة، كذلك قراءتهما الخاصة في ما يحدث في بلديهما, بعد فقدانهم النفوذ والقدرة على ضمان إلتزام مَن هم أقل منهم رتبة بتنفيذ أوامرهم.

واذ تواضع الأغلبية في الدول الديمقراطية وتلك التي لا تندرج في خانة الدول المُستبِّدة (حيث يحكم العسكر ويتحكمون بالمصائر والثروات), على خضوع المؤسسات العسكرية/الامنية للوسط السياسي المُنتخب, في بلاد يتم تداول السلطة فيها على نحو سلمي, بعيداً عن الانقلابات العسكرية والتمرّد والعِصيان، ما جنَّبها الآفة التي ابتليت بها دول العالم الثالث, فإن أصداء وتداعيات «مقالة» جنرالات فرنسا كانت مُدوية, فاقت أحداثه بيان ادميرلات البحرية التركية. كون «مقالة» جنرالات فرنسا كانت صريحة ومباشرة في مقاصدها السياسية, باستغلالهم حال الإستقطاب الحادة التي تعيشها فرنسا, على وقع ارتفاع منسوب الكراهية/والعنصرية, خاصة ظاهرة «الإسلاموفوبيا» التي تدفَع بها وتدافِع عنها اوساط نافذة وحاكِمة في فرنسا من سياسيين وإعلاميين ورجال دين وأحزاب وأكاديميين. ولم يكن مفاجئا الترحيب «الحار» الذي أبدته زعيمة اليمين الفاشي/مارين لوبن, عندما نشرت (بعد يومين من بيان الجنرالات المُتقاعدين) مقالة في المجلة ذاتها جاء فيها: أدعوكم للإنضمام الى عملنا, للمُشاركة في المعركة التي بدأت, وهي قبل كل شيء مَعركة فرنسا. «مُضيفة»: بصفتي مُواطنة وسياسية, أُقِّر بتحليلاتكم وأُشاركم حُزنكم».

مُرعب وخطير ما حملته مقالة العسكريين الفرنسيين المتقاعدين, عندما «أدانوا فيها التفكّك الذي يضرب الوطن، والذي يتجلّى (في نظرهم) عبر شيء من مُعاداة العنصرية, بهدف واحد هو خلق حالة من الضيق والكراهية بين المجموعات. مُعتبرين انه «تفكّك يُؤدي مع الإسلاموية وجحافل الضواحي، وإلى فصل أجزاء عديدة من الأُمة, لتحويلها الى أراضٍ خاضعة لعقائد تتعارض مع دستورنا» وِفقهم.

بيان الأدميرلات الأتراك كان مُختلفاً, وإن التقى رافضو للبيانين في باريس كما انقرة, في وصف ما جرى بان «تحريض الجيش لـ"الانقلاب» على الحكومة المُنتخَبة في بلديهما, كما التقتا أيضاً في فتح تحقيق مع كبار الجنرالات وبروز دعوات الى «مُعاقبتهم", عبر سحب رتبهم/ أوسِمتهم ووقف رواتبهم التقاعدية/ إمتيازاتهم.

ادميرلات تركيا حذَّروا من هجْر او إلغاء اتفاقية «مونترو» التي تنظم عملية العبور في البسفور, (تم التوصل اليها عام 1936 واعتبرها اتاتورك نصراً لتركيا)، خاصة في ظل الحديث عن شقّ «قناة اسطنبول» التي ستربط بين البسفور والبحر الاسود, ما يمنح تركيا دخلاً مالياً كبيراً، لأن «اتفاقية مونترو» لا تسمح لأنقرة تحصيل أي رسوم عبور(مجانية في الاتجاهين), وهو مشروع يتبنّاه بحماسة الرئيس التركي وحزبه.

رئيس الدبلوماسية التركية مولود أوغلو وصف بيان الادميرالات «بأنه بيان بلغة الإنذار وهو يستحضر لغة المؤامرة, ولو كانوا في الخِدمة – أضاف – لكان عملهم نوعاً من الانقلاب، لكن كونهم خارجها فلسان حالهم: لسنا في الخدمة، لكننا ندعو إلى الانقلاب».

kharroub@jpf.com.jo