«إلى أطلال قريتي المقارعية/الشوبك».

«إن الشجا يبعثُ الشجا، وكلُّ قبرِ، قبرُ مالكِ»

إليكما نزراً، من عذابات روحي.

لا تطرُقِ البابَ، صبراً أيَّها العاني

الدارُ ثُكلَى، وما أبكاكَ أبكاني

لا تطرق البابَ، مَنْ في الدارِ، قد ظَعَنوا

فتائِهٌ في فِجاجِ الأرضِ.. أو فاني

لا تطرُقِ البابَ، فالأبوابُ مُشرَّعةٌ

هذا يئنُ، وهذا هدَّهُ الباني

يا طارقَ البابِ، هذا قبرُ قريتِنا

موؤدةٌ، بينَ نُكرانِ ونسيانِ

وإنْ مَدَدْتَ، على مدِّ المدى بَصراً

عَرفتَ موتَ القُرى، من غيرِ أكفانِ

هذي مرابِعُنا، هذي منازِلُنا

هذي مساكنُ أحبابِي وجيراني

هذي مساجِدُنا، هذي مدارِسُنا

ولمَّةُ الأُنس، مِنْ شِيبِ وشُبَّانِ

هذي مراتِعُ أغنامي، ومَسْرَبُها

هذي ملاعِبُ، أترابي وأقْرَاني

هذي بيادرُ أرضِ الخِصبِ حاملةٌ

أطايبَ الرِّزقِ؛ مِن قمحِ وقِيْطاني

هذي السواقي التي جَفَّتْ مَشَارِبُها

كانتْ جَنى الرُّوحِ مِن تينِ ورمَّانِ

هذي مواقِدُ أهلي لا رمادَ بها

قد صَيَّرَتُها السوافي، بطن قيعانِ

هذا نُباحٌ سرى في اللِّيلِ أسمعُهُ

وأُرْهِفُ السمعَ، مِن توقي وتحناني

سواكنُ الليلِ، صوتُ الديكِ يوقظها

مع هدأة الفجر صوت الديك روحاني

يا طارقَ البابِ، هذا بعضُ قصَّتِنا

و«دبَّةُ السدرِ» تروي جُزأها الثاني

وإنْ أردتَ لمكنونِ الأسى سَنَدَاً...

«فبِركةُ الدَّمِ» فيها سِفْرُ أحزاني...

في كلِّ شاهدِ قبرِ، صرخةٌ صَعَدَتْ

معارجَ الروحِ، فانسابتْ بوجداني

يا دارُ دارتْ بنا الأيامُ قاطعةً

حبلَ الوصالِ، فما أضناكِ أضناني

يا دارُ تِهنا، وما نالتْ تجارتُنا...

في التِّيهِ عنكِ، سٍوى غُبنِ وخُسرانِ

يا طارقَ الباب...

الحُزنُ ليس دموعاً أنتَ تَذْرِفُها

ولا بِجُرِحِ بفيضِ الأحمرِ القاني...

الحُزنُ صمتٌ، أرَاكَ العمرَ كاتِمَهُ

وفي الجوى خافقٌ، يُكوى بنيرانِ

الحُزنُ صمتٌ، يُريكَ الكونَ أجمَعَهُ

كأنَّهُ ذَرّةٌ، في قَعرِ فنجانِ...

يا طارقَ الباب...

هذا نَشيدُ وَدَاعُ الرُّوحِ يا بلدي

وكنتِ عِشقي، وقيثاري، وألحاني.

للهِ درُّكِ، يا موؤدةٌ، وهَبَتْ

وأودَعَتْ عمرَها، حُبَّاً إلى الجاني.

«دبة السدر» و«بركة الدم» المقبرتان المعتمدتان لدى القرية، منذ بداية القرن الماضي. والذي أصبح أهل القرية إما فيهما أو نازح عنها مع الندرة الندرة، مما يعضون على جمر الانتماء، فلم يبرحوها لهم ترفع الهامات.