تأتي كل صباح في موعد محدد، تأخذ من «حاوية القمامة»، أسلوبا لتحريك مشاعر من يراها مع طفلتها التي لا تتجاوز الـ خمس سنوات، فالأغلبية تظنها معوزة وأن الفقر دفعها للوقوف للبحث في القمامة.

.. تبقى هذه المتسولة ساعات على هذا الحال، لا تدخل يدها في حاوية القمامة، لكنها تترقب بعيونها عابري الطريق الذين يحزنهم مشهد بحثها في القمامة وطفلتها، ليتوقفوا ويقوموا بمنحها مبالغ مالية من باب المساعدة وبقصد إخراج زكاة الفطر على فقير يستحقها قد ارهقته تفاصيل الحياة.

وآخر، يضع على كتفه «كيسا» مُمتلئا بعبوات المشروبات الغازية الفارغة، يحتفظ به دائما، لتكون وسيلته لاستمالة الناس واستعطافهم، حيث ينجح بتحقيق مبتغاه، وإلا لما كرر الأمر كل يوم.. وأخر يدعي الإصابة، وبعد أن يجمع من المسجد ما تيسر تجده يركض كالرهوان.. ومنهم من يدعي إصابة كامل أسرته بأمراض خبيثة واعاقات ما انزل الله بها من سلطان، قد لا تحدث في مسلسل أو فيلم درامي مأساوي وضع به المؤلف كل أنواع الخيال لإخراج المشهد بصورة كئيبة جدا... وفي مشهد آخر وفي موقع آخر تجده هو نفسه يدعي ظروف أخرى هدفها كسب التعاطف والحصول على المال.

الأساليب التي بات يتقنها المتسولون كثيرة، وبات التسول أقرب للمهنة من الحاجة إلى المال.. ونجد فئات عديدة تمارس العمل؛ كبار وشباب وفتيات وأطفال بأعمار مختلفة، وجدوا بالتسول الطريق الأنسب لتحقيق المردود المالي الوفير بجهد لا يحتاج سوى اتقان فن استعطاف أفراد المجتمع بأساليب يخيم عليها الحزن..

ما دفعنا للتطرق إلى هذه القضية التي باتت منتشرة في جميع أنحاء المملكة، أن فنون التسول تبدأ مع دخول رمضان بالازدياد، وتصل ذروتها في العشر الأواخر، خصوصا أن أغلبية الأفراد يقومون بإخراج زكاة الفطر أو زكاة أموالهم التي يُخرجونها كل عام، حيث يجد الناس في رمضان الفرصة المثالية لتقديم المساعدة والتخفيف على الفقراء، ونيل الأجر في أيام فضيلة ومباركة.

يبدو أن مسألة التسول لم تعد تقع على عاتق وزارة بحد ذاتها، فانتشار الظاهرة في الأسواق، وعند الإشارات الضوئية وقرع أبواب البيوت، و الجراءة لدخول المحلات التجارية وطلب الحسنة علانية أو الوقوف كضابط ارتباط أمام المطاعم التي يرتادها كثير من الزبائن، يدلل على أن المواطنين حفزوا اتساع مساحة التسول، كيف ذلك؟

الإجابة بسيطة، وهي أن فنون التسول وحركات الأشخاص الذين امتهنوا هذه الوظيفة، وجدوا «ريقاً حلواً» من المواطنين، بمعنى قيام الناس بإعطاء أي متسول المال شجع على ظهور العديد منهم، بعد أن وجدوا ضالتهم بكسب مالي وفير وسريع وبجهد لا يحتاج إلا القليل من السلوك واللباس الرث.

مكافحة التسول باستراتيحية وسياسة عقلانية، تعتمد على إيجاد من هم بحاجة إلى المعونة والدعم، وعدم ترك الأبواب مشرعة بأن نجعل المظاهر «الخادعة» تلعب بـ عواطفنا، ما يجعل الصدقة أو الحسنة أو زكاة الفطر أو زكاة المال اللواتي يتسابق أفراد كثر من المجتمع لإخراجها في الشهر الفضيل، تذهب في غير مسارها الصحيح، ويستفيد منها منتحلي مهنة التسول وتضيع على المحتاجين وعلى الأوجه المعينة التي حددها الإسلام.