محمد الودير

(كاتب من المغرب)

اتصل بصديقه ودعاه إلى شرب فنجان شاي بشقته، فقد أضحى وحيدا بائسا، لم يعد يغريه شيء غير الجلوس في المنزل ولم تعد الأزقة والشوارع تستهويه بعد وقوعه فريسةً لمرضه ذاك، حتى أصدقاؤه أصبحوا يتجنبونه بعد أن كان محور اهتمامهم، ارتاح لهذا الوضع وأضحى غيابهم بالنسبة له شيئا طبيعيا، أو لنقل إن هذا الأمر يريحه ولو لم يكُ بشكل مطلق، أضحوا يتجنبون هلوساته وأفكاره الغريبة قدر الإمكان، لم يعد يتذكر متى كانت آخر مرة طرق فيها أحدهم بابه، ومن سيفعل إن لم يكُ مجنونا؟ من يَقبل على نفسه الإصغاء إلى ترهات شخص تصيبه هلوسات بين الحين والآخر.

حتى نفسه هي الأخرى تخلّت عنه ولم تعد قادرة على مجاراة فكره المضطرب، لذلك أضحى يلازم النوم لساعات طويلة وكأنه يبدد الوقت بالعدم، حتى في نومه لم يسلم من أفكاره الشاذة فلا تأبى سوى أن تتجلى على شكل كوابيس وأحلام مزعجة، يرى نفسه ملكا على قوم بلا آذان ولا أسنان يطيعونه في كل شيء وينفذون أوامره ليس لشيء سوى لأنه مختلف عنهم في الشكل ويملك أذنين، أو أن يرى نفسه يقف على سفح جبل شاهق ويصيح بأعلى صوت، ليستفيق بعدها في حالة ذعر شديد.

لم يعد النوم خيار مناسبا للهروب، مما جعله يوقن بأنه يستحيل عليه الهروب من نفسه، كل محاولاته لم تفلح بل كانت ساذجة. استفاق من شروده على صوت جرس الباب، قام في خطوات متثاقلة باتجاهه، فتح ليجد صديقه، رحب به ترحيبا مصطنعا وقال:

-تفضل صديقي، لم أرك منذ زمن طويل، سعيد بقدومك.

تقدم صديقه بضع خطوات وقال:

-جئتك مسرعا على الرغم من مرض زوجتي، هل هنالك خطب؟ لما دعوتني؟

-ليس لشيء في حد ذاته، كنت أريد أن نتحدث قليلا، أولَمْ تشتق إلى صديقك؟

-بلى، لكن منذ متى أضحيتَ إنسانا اجتماعيا؟

-كنت وما زلت كذلك، أنت من ابتعدت بمحض إرادتك، وها أنا الآن أطلب قربك، دعنا ندخل إلى الداخل ونتحاور.

سارا باتجاه غرفة الضيوف، جلسا على أريكة قديمة الطراز، ثم ما لبث أن استأنف حديثه قائلا:

-صحيح أنني ابتعدت، لكن هذا لا يعني أنني لا أحبك كصديق مقرب لي، ابتعدتُ مكرها، أضحيتُ أبتعد حتى من نفسي.

-تذكرت، كيف هو وضعك الصحي، هل ما زلت تأخد المهدئات؟

-نعم، ما زلت أتناولها، لكنها ليست بحل مطلق، حالها كحال النوم تماما، لها ما لها وعليها ما عليها.

-لكن سلبياتها أخف من إيجابياتها.

ابتسم وقال بنبرة استهزاء:

-كوقع صداقتك على نفسيتي، لا أنكر أنك تخفف عني الألم النفسي وتطرد عني هواجسي وأفكاري المضطربة لكنك تستمتع بدحض آرائي، لأن أفكاري مشوشة وليس لذي القدرة على الحجاج بمنطقية، لنقل إن نرجسيتك هي ما تدفعك إلى زيارتي ولولاها لما قدمت، أنت كذلك تبقى حلّا نسبيا، تدفع عني أفكاري المضطربة مقابل إشباع نرجسيتك.

-لا أتعمد ذلك بتاتا، هلوساتك تدفعني إلى الجنون، لذلك تجدني أعارضك قصد إعادتك إلى جادة صوابك.

-دعنا مني، كيف حالك زوجتك؟ قلت إنها مريضة، ماذا حل بها؟

-تعاني من اضطراب في النوم، تقوم بعد منتصف الليل فزعة وجبينها يتعرق. أخبرتني أنها ترى كوابيس غريبة، لكن الأغرب عبارة ألقت بها بعد استيقاظها، إذ قالت: حتى النوم لم يعد حلّا.

-وما طبيعة الكوابيس؟ هل أخبرتك عنها شيئا؟

-نعم، أخبرتني أنها ترى نفسها دون أذنين أو أسنان وسط أناس على شاكلتها وكأنهم ليسوا ببشر ويحكمهم آدمي من على سفح جبل.

ذهل من هول ما سمع، وتساءل قائلا:

-وهل استشارت طبيبا؟

-نعم، وقد وصف لها هي الأخرى مهدئات.

-لا أظنها لها، بل لك.

-توقف عن التفوه بالترهات، أراك تهذي!

-صدقني، المهدئات لا توصف للمرضى، بل لعائلاتهم وأصدقائهم، لن تستفيد منها هي الشيء الكثير، فكما قلت سابقا؛ تبقى حلّا نسبيا وليس مطلقا، لكنها على العكس بالنسبة لك، فهي تشبع نرجسيتك في الفوز بالنقاشات الجدلية دون أي آثار جانبية.

قال بنبرة صوت حادة وهو يتهيأ للوقوف:

-ليس لذي وقت للاستماع إلى هلوساتك، علَيّ أن أغادر الآن فزوجتي تنتظرني، علَيّ أن أكون إلى جانبها.

-ماذا سيحدث إن توقفتْ عن تناول المهدئات؟

-أريد لها أن تتعافى، لن أقبل بهذا مطلقا.

-قلت لك إنك نرجسي، ولا أخفي عليك أنني أحسدك لأن دورك أفضل من دورَينا.

-بربك، عن ماذا تتحدث؟

-أنت تفهم قصدي جيدا.. نحن مجرد أبطال في رواية لكاتب يعشق التلاعب بشخصياته، مَن أعطاه الحق في وضعنا ضمن أحداث بئيسة كهذه، وأن يكتب لنا صفات لا نطيقها؟

تقدم صديقه باتجاه الباب وقال:

-تناول قرصا مهدئا، فحالتك قد ساءت عن آخر مرة رأيتك فيها، واطرحْ هذه الأفكار الجنونية من رأسك، اتفقنا؟

استفاق من النوم، الساعة تشير إلى السابعة صباحا، أزاح الستار عن النافذة لتنبعث خيوط الشمس الدافئة وتنعكس على وجهه للمرة الأولى بعد شتاء قارس، توجه بنظره نحو حديقة المنزل، تراءى له دخان يتصاعد من برميل حديدي، خرج مسرعا قصْدَ التأكد من ماهية الشيء الذي يحترق، اقترب منه لكنه لم يعلم طبيعته، كل ما هو متأكد منه أن الرماد ناتج عن احتراق مجموعة أوراق، عاد مسرعا باحثا عن زوجته، وجدها في المطبخ، ثم سار يستفسرها عن طبيعة الشيء الذي أحرقته، نظرت إليه بهدوء وقالت:

-إنها مسودة روايتك «مملكة الوسواس».

ظهرت عليه آثار الصدمة والغضب، ثم قال وهو يصرخ:

-كيف تجرأتِ على ذلك؟ ولِمَ؟

ثم تذكّر أنه قد نسي أن يشتري لها الأقراص المهدئة من الصيدلية ليلة أمس.