د. عامر عورتاني

اخصائي علم اجتماع

اختار أحد أساتذة علم الاجتماع في إحدى جامعات ماليزيا، أن ينقل طلبته خارج قاعة المحاضرات، ليختبروا الواقع، ويكونوا جزءاً من تجربة اجتماعية تفاعلية، فاشترط عليهم العمل على إسعاد إنسان واحد طوال الفصل، على أن يكون هذا الإنسان حزيناً، وحيداً، وبعيداً عن محيط أسرته، وإنّ نجاح الطالب في إدخال السرور إلى قلب ذلك الإنسان الحزين من خلال الأفكار المدهشة، ستكون نتيجته العلامة الكاملة، وهكذا بدأ الطلبة يجتهدون في إسعاد زملائهم من الطلبة المبتعثين من الدول الأخرى إلى ماليزيا للدراسة، كما أنّ الأستاذ نجح في إقناع إحدى كبرى الشركات في البلاد ؛ لتقديم جائزة لأفضل عشر مبادرات سيقدمها الطلبة خلال هذه التجربة، وفي نهاية الفصل حصل جميع الطلبة على العلامة الكاملة، لكنّ واحداً من بينها لفت الانتباه وكان من بين المبادرات العشر الأفضل، حيث قام الطالب صاحب تلك المبادرة بوضع هدية صغيرة يومياً أمام باب شقة زميله الهندي المبتعث لدراسة الطب في ماليزيا، بعد أن لاحظ وحدته، والحزن الذي كان يُغلّف مشاعره طوال الوقت، وكانت أولى هداياه رسالة مطبوعة دون توقيع » كنت أتطلع صغيراً إلى أن أُصبح طبيباً مثلك، لكني ضعيف في مواد العلوم، إنّ الله رزقك ذكاء ستُسهم عبره بإسعاد البشرية »، ليترك له في اليوم التالي قبّعة ماليزية تقليدية مع عبارة » أتمنى أن تنال القبعة قبولك »، وفي المساء كان الطالب الهندي يرتدي القبعة مبتسماً للمرة الأولى، وكان حساب ذلك الطالب على فيس بوك قد بدأ يمتلئ بالأصدقاء، وقد دفعهم الفضول لمعرفة على ماذا سيحصل اليوم ؟، وهم يحفزونه لمعرفة الهدية الجديدة، ولكنّ أكثر ما لفت الطالب صاحب المبادرة كان تعليق والد الطالب الهندي على صورة القبّعة على حساب ابنه حيث قال: حتى زملاؤك في الجامعة يرونك طبيباً حاذقاً، فلا تخذلهم واستمر »، لتكون هذه الكلمات دافعاً للطالب ليستمر في الكتابة وتقديم الهدايا العينية يومياً دون كشف هويته، لتكبر معها ابتسامة طالب الطبّ، وتزدحم قائمة أصدقائه على تويتر وفيس بوك، وهكذا كانت الكلمات التحفيزية الدافئة عبر رسائل الطالب الماليزي، وهداياه الرمزية سبباً في تحوّل حياة طبيب المستقبل، وقد أصبح مبتسماً واجتماعياً، بل إنه أفصح لاحقاً عن كون تلك الكلمات المعدودة في الرسالة الأولى كانت السبب في عدوله عن الانسحاب من البعثة والعودة لبلاده، وهكذا كانت تلك المبادرة سبباً في تجاوز الطبيب كلّ ما واجهه من صعوبات أكاديمية وثقافية ونفسية، ويكمل طريقه نحو مستقبل سينُقذ فيه حياة العشرات فقط بفضل بعض الكلمات الحانية.

لم أسرد تلك الحكاية التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، سوى لتهيئة الشهية الفكرية للحديث في الموضوع الأكثر إلحاحاً في هذا الزمن، إنه العطاء والذي لا تكتمل دائرة التواصل الإنساني من دونه، فالعطاء مصدر النبض الذي يضج بالحياة في مفاصل النسيج الاجتماعي، ومن دونه فإنّ خطوط الاتصال بين أجزائه ستغدو قصيرة منكمشة وتجف معها منابع الأنفاس التي تغذي المجتمعات بأسباب البقاء، فالعطاء ثقافة مجتمعية تُبنى عبر مجموعة من العوامل الدينية والاجتماعية والثقافية، مُهيئة المناخ اللازم لازدهار المجتمع، وقد تطوّرت هذه الثقافة من مفهوم التعاون وحُبّ الخير ضمن نشاطات ومبادرات فردية، إلى أعمال مؤسسية مبنية على مفهوم مجتمعي، وعلى الرغم من اختلاف نماذج العطاء المجتمعي ؛ إلّا أنها جميعاً تندرج في سياق المشاركة المجتمعية، حيث تختلف العوامل التي تؤثر في ممارسته من مجتمع إلى آخر تبعاً لاختلاف عوامل التركيب الاجتماعي مثل الدين والعِرق والعادات والتقاليد والفكر السياسي والتاريخ، مُنتجة بذلك النظرة المجتمعية تجاه العطاء، والتي من الممكن أن تؤثر بدورها في عُمق الأثر المجتمعي للعمل الخيري.

وللعطاء أشكال مختلفة وأكثرها مجالاً أن يُرافق العطاء العاطفي عطاء مادياً في ذات الوقت فالرسالة القصيرة في قصة الطالبين ترافقت وبعض الهدايا التي لم تُكلّف صاحبها ثمناً باهظاً، وإنما كانت المعاني التي انطوت عليها تلك الرسائل، وما حملته تلك الهدايا المتواضعة من دفء، السبب في تحويل مجرى الأحداث التي شقّت طريق كليهما في الحياة مستقبلاً فالمًتلقي صار طبيباً، والثاني قرر أن يُحوّل مشروعه الفائز بكتابة رسالة وتغليف هدية ذلك إلى عمل مؤسسي يُسهم في استدامة المشروع واستقطاب المتطوعين الراغبين في رسم السعادة على وجوه من افتقدوها، وهو بذلك يلفت إلى أنّ العطاء لا يتعلّق في دفع أسباب الفقر المادي فقط، فالفقر ثقب أسود يبتلع في لا نهائيته كلّ أسباب السعادة، وعليه فإننا جميعاً فقراء، وسرّ السعادة قد يأتي مُغلّفاً بكلمة طيبة، أو ابتسامة صادقة، أو كتف نميل إليه حين تهتز الأرض من تحت أقدامنا.

إنّ سيكولوجية العطاء قائمة على كيمياء عجيبة، ففي الوقت الذي يُمثل العطاء تقديماً للآخر، فإنه في طياته عطاء للمُعطي نفسه، فهو يأخذ في الوقت الذي يُعطي فيه، في علاقة حتمية تنتهي بسعادة الطرفين، فالعطاء ينتهي بالحُبّ، وهو يوصف كعلاج نفسي إذ يُعزز الصحة النفسية والجسدية، وهو كذلك يُسهم في الرضا عن الذات وعن جودة الحياة، وتعديل السلوك، وتربية النفس، فهو يفعل فعل المُطهّر النفسي للإنسان، كما أنّ العطاء يُعزز شبكة العلاقات الاجتماعية، من خلال مشاركة الآخرين ومساعدتهم، فضلاً عن كونه يُضيف للفرد تجارب جديدة، ويعمل على تقوية أسباب الثقة والرحمة بين الناس، والعطاء ينطوي في باطنه على قوّة تتنامى ذاتياً من خلال ردود فعل الآخرين المُحفزة والإيجابية، كما أنّ انتشار ثقافته، واعتياد الأفراد عليها كسلوك عام في المجتمع ؛ قد يُسهم في تطوّر الجانب الاقتصادي والقضاء على الآفات الاجتماعية.

إنّ عملية التواصل التي تتمّ بين المُعطي والمُتلقي، وما يتولّد عنها من انفعالات إيجابية كالفرح والشعور بالطمأنينة، تُسهم في رفع قيمة الفرد، وإنّ منبّهات السعادة أثناء عملية العطاء ستُشكّل حافزاً للمزيد من العطاء، فالعطاء فنّ غايته العطاء والعطاء فقط، دون شروط أو انتظار للمقابل الذي يُمكن أن يتمّ في صورة السعادة المرجوّة من عملية العطاء.

ولقد كشفت جائحة الكوفيد-19 عن أهمية القوّة الكامنة في التضامن داخل النسيج الإنساني على مستوى الكوكب، لا سيّما وأنّ الوباء جعلنا نُدرك مقدار حاجتنا لنظام عالمي جديد على مستوى الصحة العامّة، وهو ما يجب أن ينطبق على الفقر والنزاعات واللجوء والعنف وقضايا البيئة، فعلى الرغم مما صنعته الجائحة من مسافات باعدت بين الأفراد واضعة إياهم داخل إطار من العزلة اللازمة لمواجهة المرض، إلّا أنّهم باتوا أكثر اعتماداً على بعضهم البعض، وهو ما تجلّى في الضرورة المتناقضة التي تمثلت في إظهار التضامن من خلال التباعد وعدم الاقتراب من بعضهم البعض، وهو ما يؤكد على أنّ التضامن والتعاون العالميين هما السبيل الوحيد العقلاني للمضي قُدُماً.

وربما كان من المهم أن ندرك أنّ العطاء، ومدّ أيدينا نحو الآخر المُحتاج أو المهزوم ضمن إحدى معارك الحياة، ومساعدته لمواجهة الصعوبات تُعتبر وقود الحضارة وشرارتها الأولى، فلم يكن اختراع العجلة، أو اكتشاف النار، أو صناعة الفخار منطلق الحضارة كما استُشفّ من وقائع التاريخ، فقد اعتبرت عالمة الأنثروبولوجي مارغريت ميد أنّ أولى علامات نشأة الحضارة في الثقافات القديمة كانت » انكسار عظمة الفخذ ومن ثمّ شفاؤها »، فهذا الحدث وفقاً لميد دليل على أنّ أحدهم كرّس الوقت اللازم للعناية بالشخص المصاب، وتضميد جراحه، وتوفير الأمان له، والعناية به حتى تعافى تماماً، و إلّا فإنّ انكسار عظمة الفخذ في عالم الحيوان لا يعني سوى مواجهة الموت المُحتّم نتيجة فقدان القدرة على صيد الطعام أو شرب الماء، والبقاء خائفاً إلى أن يفترسه أحد الحيوانات، أي أنّ مساعدة شخص آخر في مواجهة التحديات هو ما يستحق أن يُعتبر نقطة انطلاق الحضارة، وهو ما يضمن لها الدوام والاستقرار.

وإذا ما عدنا لموضوع تجربة أستاذ علم الاجتماع، فإنّ ذلك الأستاذ وقد أدى عمله بصدق، وكان حريصاً على دمج طلبته بالواقع من حولهم، حاثّاً إياهم على تلّمس مشكلاته، والبحث في الحلول الممكنة لها، قد قدّم المثال الأروع في أحداث التجربة، فقد تمكن من إسعاد طلبته، حين جعلهم يمارسون العطاء، ويكتشفون السعادة الكامنة فيه، كما تمكن من إسعاد عدد كبير من الطلبة الغرباء في الجامعة، والذين بدورهم أسعدوا أسرهم ومجتمعاتهم بعد أن عادوا إليها ناجحين ومستعدين للعطاء، وهو في ذات الوقت تمكّن من صناعة سلسلة طويلة من السعادة عبر التأسيس لمفهوم مجتمعي لمعنى العطاء، من خلال الدعم الذي قدمته الشركات التجارية للتجربة، ذلك المفهوم الذي انتقل من بُعد المبادرة الفردية إلى أبعاد ضخمة من العمل المؤسسي، ليُجذّر ثقافة عميقة قوامها العطاء ونشر السعادة، وهو ما نبّه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين قال: » أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ، سرور تُدخله على مسلم، تكشف عنه كُربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد».