يتكشف يوماً بعد يوم حجم وعمق مُخطط الهيمنة الذي تسعى أنقرة إلى تنفيذه, بهدف بسط سيطرتها على مناطق شاسعة في بلديْن عربيْين يُتاخمان حدودها الجنوبية, تروم من خلال إخضاع مساحات منهما التسلل إلى عمق آسيا العربية, على نحو يتكامل مع تحركاتها العسكرية المباشرة التي اتّخذت حضوراً عسكرياً واستخبارياً محمولاً على ألوية من المرتزقة، كما في ليبيا والصومال والسودان (في عهد المخلوع عمر البشير, ولم يُعرَف ما إذا كانت تفاهمات «سواكن» ستتواصل أم باتت في حكم المُنتهية).

جديد العمليات التركية المتواصلة منذ سنوات شمال العراق وتحديداً مناطق جبال قنديل, حيث قواعد حزب العمال الكردستاني PKK بزعامة عبدالله أوجلان سجين جزيرة ايمرالي, هو إعلان وزير الداخلية التركي سليمان صويلو, نية أنقرة إنشاء قاعدة عسكرية شمال العراق للسيطرة على الوضع قرب حدودها الجنوبية (إضافة لقاعدتها الضخمة الموجودة في معسكر بعشيقة/مُحافظة نينوى).

وإذ لم يُخفِ الوزير التركي أن عمليات بلاده في شمال العراق ستتواصل، طارحا إسم المنطقة التي ستقام عليها القاعدة العسكرية (منطقة متينا)، فإنه كشف بوضوح وإستفزاز ان اقامة القاعدة في العراق «يأتي على غِرار ما فعلناه في سوريا", مُضيفا بغرور:"سَنُّنشىء قاعدة هناك, وسوف نُسيطر على المنطقة».

ليس ثمَّة ما يمكن وصفه بشأن «النيَّة» التركية المُعلنة سوى انها شكل من أشكال الإستعمار وازدراء فظّ للقانون الدولي, وتجاوز لكل الأعراف والنواميس في علاقات الجوار التي تربطها مع العراق (كما سوريا). والذريعة نفسها التي يلجأ اليها المُستعمِرون الجدد وهي «محاربة الإرهاب", على نحو لا يُقيم وزناً لسيادة الدول, عبر تقديم منطق القوة على قوة المنطق والتنسيق المشترك لمحاربة الإرهاب. الذي تحول إلى يافطة تُخفي نزعات الهيمنة والتوسُّع ومحاولة إستعادة أمجاد غابرة.

وإلاّ كيف نفسِّر استشهاد الوزير التركي بارتكابات قواته ومُرتزقته في أماكن سيطرتها في سوريا منذ2016 , والتي اتخذت الأسماء الكوديّة «درع الفرات","غصن الزيتون","نبع السلام» و"درع الربيع»، والتي أسفرت عن بدء عملية تتريك واسعة للمناطق المُحتلة, وصولاً لاستعمال الليرة التركية عملة وحيدة فيها, اضافة الى رفع صوّر اردوغان والأعلام التركية على المباني والميادين, وإغراق اسواقها بالمنتجات التركية. والأمر سيتكرّر اذا قُيِّض لأنقرة السيطرة على المناطق العراقية التي ستقيم قواعدها العسكرية عليها عبر عمليّتي"مَخلب البرق والصاعقة».

صحيح أن تركيا تلعب على وتر الخلافات الحادة والعميقة على زعامة الكرد وتمثيلهم, بين قيادة إقليم كردستان/حكومة إربيل التي يقودها الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الرئيس السابق مسعود برزاني, وحزب العمال الكردستاني الذي يقوده عبدالله أوجلان وقيادات جبال قنديل، فضلاً عن التوتر المتزايد الذي يحكم علاقات كردستان العراق بقوات «قسد» (قوات سوريا الديمقراطية) وما يسمى الإدارة الذاتية, التي سعت اربيل للسيطرة عليها عبر دعم منافِسها المجلس الوطني الكردستاني, إلاّ أن ذلك كله لا يُبرر لاربيل صمتها إزاء ما يحدث على أرض الإقليم, وما يُمثِّله الاجتياح التركي المتواصل من انتهاك لسيادة العراق, الذي يُشكّل الإقليم جزءاً منه. إضافة إلى حقيقة أن الأتراك إذا ما سيطروا على منطقة ما فإنهم لن يغادروها أبداً وقبرص منذ العام 1974 دليل ساطع على ذلك.

kharroub@jpf.com.jo