أبواب - زياد عساف

استوقفني مؤشر المذياع قبل أيام عند الأوبريت الإذاعي الشهير (الليلة الكبيرة) الذي سبق واستمعت إليه عشرات المرات دون كلل أو ملل، ورحت أستعيد في مخيلتي جميع الشخوص المشاركين في العمل، ودائماً ما كانت تسترعي انتباهي شخصية (العمدة) التائه في أحياء القاهرة القديمة وهو يخاطب الأراجوز متسائلاً:«يا حضرة الأراجوز قوللي.. منين يروحوا للمتولي؟»، وتعمَّد الأراجوز بمكره الجميل أن يصف العنوان للعمدة بطريقة مغلوطة ليتوه الأخير في دروب (حي الغورية) وأزقته، وبت من يومها أحسد العمدة على هذا (التوهان الغوري) وكل من عاشه على ا?طبيعة يعرف قيمة ذلك، فأنت حينها على موعد مع البهجة والدهشة في حضرة هذه الأماكن التي طالما فجرَّت منابع الإبداع في ريشة فنان وقلم شاعر وألهمت أساطين الموسيقى والغناء أروع الألحان وأجملها.

حكاية مكان..

ما بين الفن وحي الغورية علاقة متبادلة منذ قديم الزمان، وكل من يسير في طرقاته يلمس هذا الجانب الإبداعي في كل ركن وزاوية ويشعر للتو بأنه أمام لوحة متكاملة تشكّل عناصرها حالة من الإنسجام المنبعث من جمال وتناسق مبانيها، وواجهات محلاتها المزركشة بأجمل الزخارف والألوان الزاهية الأخاذة للملابس والأقمشة والصناعات اليدوية المشغولة بيد خبراء مَهَرَة، وليس اّخرها روعة التنظيم الهندسي الدقيق لحاراتها الذي صممه خبراء ومهندسون منذ مئات السنين، وليس من قبيل الصدفة إذاً أن ينجب هذا الحي العديد من مبدعي الفنون بكافة أشكاله?، ولعل مايؤكد هذه الحقيقة العودة من البداية لحكاية هذا الحي الذي ارتبط بإسم مؤسسه اّخر السلاطين المماليك أبو النصر قانصوه الغوري (1446 -1516)م قبل أكثر من خمسمئة عام، وأنشأه بالقرب من الجامع الأزهر ومقابل مسجد الحسين ليكمل هذه اللوحة الفنية الخالده بمجموعة المباني والقصور ذات الفن المعماري الساحر والذي لا يزال يشع بسحره وجماله لغاية الآن.

شرابشين..

كلمة السر التي وراء هذا الإنجاز أن السلطان الغوري وبالإضافة لعشقه للطرب والشعر والقراءة وحبه لجمع التحف الثمينة كان مولعاً أيضاً بفن العمارة، كل ذلك ولَّد لديه هذه الدافعية ليؤسس في هذا الحي مجموعة من التحف المعمارية المسماة بإسمه ومنها: وكالة الغوري ومسجد الغوري، قبة وسبيل وكتَّاب ومدرسة الغوري الكائنة نهاية شارع الغورية عند تقاطعه مع شارع الأزهر، بالإضافة لدكاكين ومحلات لصناعة وخياطة الملابس السلطانية بتصميم فني جميل يتناسب مع طبيعة ذلك العصر، ومن هنا جاء الإسم القديم لحي الغورية الذي كان يعرف بحي (الشرا?شين)، ويلمس الرائي حالة التناسق والتشابه في التصميم لكل هذه المنشاّت ما جعل للحي خصوصيته التراثية والتاريخية التي لازالت تستقطب السياح والمهتمين من كافة أنحاء العالم.

يا رايحين الغورية..

عدوى الفن الإيجابية المتمثلة بالإنجازات الفنية المعمارية الموزعة في أروقة الغورية ونلمسها بمبانيها وقصورها ومساجدها، هذه العدوى ألهمت المبدعين وحفَّزَتْ بدورها على إنجاز أشكالاً وألواناً أخرى من الفنون الخالدة، والغناء في مقدمتها بطبيعة الحال وأول ما نستذكر رائعة المطرب محمد قنديل (يا رايحين الغورية) التي نظمها شعراً محمد علي أحمد وتم تصوير الأغنية بواسطة الكاميرا السينمائية في أواسط الخمسينييات من خلال فكرة بسيطة لعروس تتجول في سوق الغورية لشراء جهاز عرسها، وتطوف على محلات القماش والصاغة مع غناء (قنديل) ا?ذي يوصي محبيه بإحضار الهدايا لعروسه معبراً في الوقت نفسه عن غيرته عليها في هذا المقطع:

«والله الجمال جبار خايف عليه وبغير

لفُّوا على التجار وهاتولي تول حرير

أرخيه على جبينه ورموشه وعيونه

دا الحلو راضي عليا يارايحين الغورية».

تنافس..

ولعل مايؤكد روعة وجمال هذه الأغنية أنها أثارت حفيظة عبد الحليم حافظ بإعادة تسجيلها بصوته بعد خلاف مطربها الأصلي مع الملحن كمال الطويل على أمور تتعلق بتسويقها مع واحدة من شركات الإنتاج ما اضطر محمد قنديل وكما روي بتهديد عبد الحليم ليثنيه عن هذه الخطوة، وبشهادة كثيرين بقي أداء محمد قنديل هو الأروع ويكفي سماع الأغنية بصوت كل منهما للتأكد من ذلك وحسم هذا الجدل بلاشك.

وفي عمل فني اّخر أنتجت الإذاعة المصرية قديماً أوبريت((سوق الغورية) تأليف محمود إسماعيل جاد وإخراج ثريا نجم وألحان عزت الجاهلي، وشارك بالغناء محمد رشدي، أجفان الأمير، عصمت عبد العليم، فاطمة علي، ابراهيم حمودة والمطربة فجر ويأخذون المستمع في رحلة غنائية عبر معالم السوق، والبداية بصوت الراوية وقامت بالدور مخرجة العمل وهي تتحدث عن تاريخ السوق منذ تأسيسه عبر خمسمئة عام، ثم حوار غنائي لشخوص الأوبريت: العريس والعروس وهم يتجولون لابتياع مستلزمات العرس وتأثيث البيت من أقمشة وملابس، وحوار غنائي بين الزبائن والباعة أ?حاب محلات السجاد والعطارة والأخيرة من المهن التي تميَّز بها هذا السوق لدرجة أن تغنت بها شريفة فاضل أيضاً من ألحان فريد الأطرش وتشير لذلك في مقدمة الأغنية:

"من بوابة المتولي للصاغة للغورية

وانا دايرة ألِفْ وادوَّر م الصبح للعصرية

على صبر يكون مش قادر ويكون مُرْ بحنِّية

حدِّش في الحب احتار يعرف دكان عطار

ويبيع لي كم قنطار صبر يكون حلو شوية».

المطرب الثعلب..

المطرب سمير الإسكندراني (1938–2020) يعتبر واحداً من الفنانين الذين ولدوا وعاشوا بداية شبابهم في حي الغورية، وهذا ما ساهم بتشكيل شخصيته كمغني ورسام أيضاً بدأ مشواره الفني بالغناء في حفلات المدرسة وخدمه بذلك أن والده التاجر الحاج فواز المحب للفن إرتبط بعلاقة صداقة بالموسيقار زكريا أحمد وبيرم والتونسي وأحمد رامي ما منحه الفرصة للإستفادة من تجربتهم وخبرتهم، نشأته في هذا الحي الأصيل جعله يشرب هذا الفن الأصيل والعريق بطبيعة الحال وجاءت معظم أعماله من روح التراث الغنائي في مصر والبلاد العربية من المقامات والقدود ?الموشحات بالمزاوجة مع التوزيع الموسيقي الغربي المُعَدْ بذكاء ومنها أغاني الفرانكو أراب التي اشتهر بها، ومن هذه الأعمال: يا نخلتين في العلالي، قدك المياس، ياجميل ياللي ناسيني، دوسة، طالعة من بيت ابوها، يا صلاة الزين، مين اللي قال، كام وردة ويا غصن نقا.

كما تغنى بالعديد من الأغاني الوطنية مثل: يارب بلدي وحبايبي، احنا بنعاهدك يا غالية أوبريت الغالية بلدي، إبن مصر، وغنى في عدة مسلسلات تلفزيونية مثل :الحب والرحيل الطاحونة والوديعة.

» المطرب الثعلب » لقب أُطلِق على سمير الإسكندراني نظير نجاحه في المهمة التي أوكلته إياها أجهزة الأمن المصرية باختراق جهاز المخابرات الإسرائلية وساهم بدوره بإسقاط ست شبكات تجسس للموساد في مصر.

حوش قدم..

«حوش قدم» واحدة من أشهر حارات الغورية العتيقة وتعود شهرتها لارتباطها بالثنائي المبدع رائدا الأغنية السياسية والملتزمة: الموسيقار والمطرب الشيخ إمام والشاعر الغنائي أحمد فؤاد نجم باعتبارهما من السكان الأصيلين لهذا الحي لفترة طويلة من الوقت وشهدت شقتهما المتواضعة ميلاد أروع ما قدما معاً من أغنيات حركت مشاعر الجماهير في مصر والعالم العربي بدءاً من فترة هزيمة 1967، ولا زال بيتهما مزاراً للمثقفين والفنانين لدرجة أن مجرد مرور زائر عربي من هذه الحارة بهدف زيارة المكان، وقبل أن يبادر بالسؤال يجد أن أهل الحارة قد ع?فوا وجهته بالفطرة وعلى إثرها يبادر أحدهم بإيصاله للعنوان المنشود.

لم يكن حي الغورية ملهماً للفنانين المصريين وحسب، فلقد استلهم تشكيليون عالميون لوحات من تاريخ الغورية باعتباره مرآة للحضارة العربية والإسلامية ما فرض حضور (الغورية) عالمياً، ومن هذه الأعمال: لوحة الفنان فون أميروس لأحد التجار يعرض بضاعته بجانب سبيل نفيسة البيضة، ولوحة للفنان الألماني تشارلزوايلد، والزائر لمتحف اللوفر في باريس يجد لوحة (مسجد الغورية) خطها بريشته الفنان جون فريدي «1875».

ترميم..

تراجعت الفنون العربية بألوانها المختلفة بعد أن طغى الحس التجاري والمادي على صناع هذه الأعمال، إلا أن إعادة ترميم (وكالة الغوري) يعطي لهؤلاء درساً مغايراً، فهذه الوكالة كان قد أسسها قانصوه الغوري كما سبق والغاية منها اّنذاك إستقبال التجار ببضائعهم وتخصيص حجرات لمبيتهم عدا عن تخصيص محلات للمحاصيل ومكان للدواب، هذا المكان الذي كان هدفه تجارياً بحثاً تحول الآن لمؤسسة ثقافية فنية تتبع وزارة الثقافة المصرية.

وتقدم روائع الأعمال الموسيقية والغنائية الأصيلة على مدار العام تتخلها حفلات من الطرب العريق بكافة ألوانه مثل الموشحات ومهرجانات الغناء الصوفي بمشاركة دول عربية وإسلامية، واستعادة روائع أعمال أساطين الغناء في الزمن الجميل وساهم بذلك سعة المكان الذي يستوعب مئات الأشخاص، وجاء ترميمها عام 2005 ضمن مشروع إحياء القاهرة الإسلامية بدعم من صندوق التنمية الثقافية مع الإحتفاظ بتصميمها المعماري القديم مع بعض الإضافات المهمة لاكتمال العرض الفني كتصميم خشبة مسرح وغرفة ملابس وتزويدها بتقنيات حديثة خاصة بالإضاءة والصوت.

فرقة التنورة..

ومن العروض الفنية المتميزة تقدم"فرقة التنورة» على مسرح الوكالة عرضاً فنياً متكاملاً يعاد ما يقارب ثلاث مرات في الأسبوع وطيلة السنة بمصاحبة الآلات الموسيقية الربابة السلامية، المزمار، الصاجات والطبلة، وفقرات من الغناء الشعبي والديني، بالإضافة لفقرة رقصة التنورة الصوفية وما يصاحبها من أدعية ومدائح في حب رسول الله عليه الصلاة والسلام والأولياء الصالحين وأناشيد دينية، وتناغم ذلك مع ألوان ملابس الراقصين المرتبطة بالهوية الشعبية المصرية مع كلمات مغناة تعكس البعد الفلسفي والصوفي وما تتضمنه من دعوة لإحياء القيم ال?نسانية كالوفاء والتسامح والصدق، وخلاصة القول أن كل هذه العناصر مجتمعة أضفت الهوية الفنية المصرية على هذه العروض بذكاء محسوب وخبرة القائمين على هذه الفرقة.

ويبقى الإنجاز الأهم إنطلاق (التنورة) من وكالة الغوري لتصبح سفيرة الحضارة العربية الإسلامية عبر تقديم فنونها على مسارح عربية وعالمية مثل: لبنان، الأردن، اليمن، تونس سوريا، المغرب، ايطاليا، النمسا، المجر، السويد، رومانيا، بريطانيا، هولندا، استراليا، كندا، تركيا، اليونان، سنغافورة، الهند، الكوريتين الشمالية والجنوبية، التشيك والدانمارك.

زمن الطرابيش..

صناعة الطرابيش والعمامة الأزهرية فن قائم بذاته أيضاً إشتهر به حي الغورية ولم يتبق سوى مشغل الحاج احمد محمد احمد الذي عادة ما يكون المحطة الأخيرة للرحلة في هذا الحي ولا يخف على المهتمين أن علاقة الطرابيش بالفن لا تقتصر على التصميم واللون والتفصيلة فقط، ولكن وحسب ماصرح به لإحدى الفضائيات عماد الطرابيشي الصانع في مشغل الحاج أحمد إن المنتجين والمخرجين يتوافدون للمحل لشراء كمية وحسب متطلبات إنتاج العمل السينمائي أو التلفزيوني، ويستشيرون أصحاب المحل عن لون وشكل الطربوش المناسب للشخصية، ويقومون بدورهم وبحكم الخبر? بالإشارة للطربوش المناسب بعد تحديد الفترة الزمنية والتاريخية لأحداث العمل الدرامي، وهذا ما حدث مع مسلسلات مثل الجماعة وواحة الغروب، وقلما نجد ممثل لم يرتدي الطربوش في أعماله توافقاً مع متطلبات سيناريو العمل ومنهم: نجيب الريحاني ومحمد عبدالوهاب ويوسف وهبي عبد الفتاح القصري ومحمود المليجي وفريد شوقي.

حسن أرابيسك..

من يتابع أغلب المسلسلات الرمضانية المعروضة حالياً وما تسببه من حالة (تلبُّكْ) درامي يبرر إحجام كثيرين عن المتابعة هذا العام، أما ما علاقة ذلك في حي الغورية فهو مسلسل (أرابيسك) الذي عُرِض في رمضان فبراير1994 لصلاح السعدني في شخصية (حسن أرابيسك) أهم أدواره على الإطلاق، خاصة أن الكاتب أسامة أنور عكاشة في هذا العمل يطرح قضية الهوية المصرية وعلاقتها الشائكة مع الثقافات والقوميات الأخرى، ولإيصال هذه القضية الهامة لم يجد الكاتب أفضل من حي الغورية كمسرح للإحداث وإسناد البطولة الشعبية لحسن إبن الحي الأصيل الذي لم ت?نه التحولات السياسية والثقافية عن التمسك بجذوره وهويته وهذا ما كان يحاول أن يعلمه للمساجين في المشهد الأخير مخاطباً إياهم:

«المهم نعرف إحنا مين.. وأصلنا إيه.. وساعة مانعرف إحنا مين هنعرف إحنا عايزين إيه.. وساعتها نتكل على الله!».