د.سهى نعجة

(كاتبة ناقدة أردنية)


"نأتي من هاوية مظلمة، وننتهي إلى مثيلتها، وأما المسافة المضيئة بين المسافتين فنسمّيها الحياة... ما إن نولد حتى تبدأ محاولاتنا في أن نخلق، ونبتكر، وأن نجعل للمادّة حياة".

هذه القَولة لنيكوس كازنتزاكس لم تمرّ مُرور السحاب من لدن المرحوم العلّامة د.إسماعيل عمايرة (توفي يوم 5 أيار 2017)؛ إذ انبرى بما أوتي من فيض حكمة، وحصافة، وصبر، وعلم في الشريعة واللغة العربية واللغات السامية واللغة الألمانيّة، يستثمر عمره ومعارفه المتنوعة الشاسعة ليحفر عمقاً في وجدان العربية: طلبةً وتأليفاً وترجمةً؛ أمارات عُرى الوصل بين اللغات، وأواصر التآخي في أصل وضعها من غير حَيف أو ضيم، مؤكداً أن اللغة بنتٌ للطبيعة، تخضع لما تخضع له التضاريس من عوامل التصحّر والحتّ والتعرية، بنسب تتفاوت تكشف عن ضرورة إعادة قراءة العربية، ولا سيما نحوها وصرفها وصناعتها المعجمية؛ ذلك أنها ما عادت كما وُلدت، شأنها شأن اللغات جميعاً، لكن بتوزيع كمّي أقلّ قطعاً لمعياريّةٍ يغلب على قوانينها أنها تحرس القرآن الكريم بعيداً عن ذوي الهوى والتدليس، من غير نكران لتعدّد القراءات القرآنية، والاحتمالات الإعرابية لبعض الدوالّ اللغوية بناء على توجيهها المعرفيّ.

وارعوى عمايرة يُرجع البصر مرّات كثيرات في الصناعة المعجمية متحسّساً ثم مؤمناً بأنها تُقعي بنيها من زاويتَي الاستعمال، والبناء المنهجي للمعجم العربي. أما الاستعمال فعبر توكيده سننَ التطور اللغوي كتعميم الدلالة، وتخصيص الدالّ، والمشترك اللفظيّ، والتّضادّ، والمجاز العقلي، والمجاز المرسَل، والاستعارة والتشبيه، وغيرها مما يشي بتنوّع العربيّة وغنى محمولاتها الثقافية التي تستجيب لقانون الحياة الحتمي: الإهمال والاستعمال/ النشاط والخمول، أسوة باللغات كافة إلّا اللغات العازلة كاللغة الصينية.

وأما في الصناعة المعجمية فعبر ثلاثة مسارات؛ الأول: مدى تقاطع البنى الصرفية العربية في أصل وضعها مع البنى الصرفية السامية، إذ رأى عمايرة أن الشين في العبرية مثلاً في نحو (شَقْلب) هي الهمزة في العربية (أَقْلب)، ولكن الإقرار بأن الشين حرف زيادة يتعارض مع نظرية الزيادة المختصة بحروف (سألتمونيها)، وبنظرية الميزان الصرفي، وإنْ هذا إلا إذعان وتسليم بالمسار الثاني الذي ماز عمايرة عبر تأليف "معجم الأدوات والضمائر في القرآن الكريم"، و"معجم المصطلحات اللغويّة: ألماني-عربي/ عربي-ألماني"، وعبر دعوته إلى حتمية وجود معجم تاريخي يؤصل الدوالّ ويؤثّلها؛ مستفيدين مما ابتدأه "فيشر" ذات زمان، وأخذ يؤتي أُكُلَه اليوم بعد استنفار بعض الدول العربية، كقطَر والإمارات العربية المتحدة، اللتين استجابتا لمسعاه بجدّ واحتراف عاليين للشروع في إنجاز معجم تاريخي للعربية بجهود عربية وعالميّة، وفي ضوء دعوته للاستجابة لقرار اتحاد المجامع العربية لإنشاء معجم ألفاظ الحياة العامّة في كل بلد عربيّ؛ ليكون نواة معجم عربي يوحّد الألفاظ العامة بين الدول العربية، ليصير اللسان العربي لساناً واحداً بعد منهجية دقيقة في الاستقراء والتحليل والرصد والتعريف على وفق نظرية الحقول الدلالية، دوّنها في كُتيّب صدر سنة 2001 بعنوان: "نحو معجم موحّد لألفاظ الحياة العامّة". وشاءت الأقدار أن تكون ريادة الإنجاز في "معجم ألفاظ الحياة العامّة في الأردن" الذي صدر سنة 2006.

على أن الصناعة هذا المعجم لم تكن جهداً فردياً، إنما هي عمل جماعي موزّع على مدير للمشروع ، وفريق إعداد بشري: يشرف على المادة اللغويّة المنتقاة، ويوجّه العاملين على جمع المادة، وتحريرها، وترتيبها، وضبطها، وحوسبتها، وإخراج المعجم بما يليق بالمؤسّسة الصادر عنها، وهي مجمع اللغة العربية الأردني، مستعيناً بفرق عمل موزّعة على الأردن جغرافيّاً.

والمسار الثالث وهو ما انماز فيه عمايرة وتجلّى طُموحاً أَنوفاً في صناعةٍ معجمية تعتمد نظرية البؤرة الصرفية التي ألمح إليها ابن جني وابن فارس من القدماء، وعبدالله العلايلي وتمّام حسّان من المحدَثين، ومفادها ردّ البنى الرباعية المجردة، والبنى الخماسية المزيدة إلى بنى ثلاثية نحو: (قصمل) التي تعني القصير ويمكن ردّها إلى المعنى العام (قصّ) و(قصم) و(قصل)، ناهيك عن إمكانية ردّها إلى (قسم) بقلب الصاد سيناً، و(قطم) بقلب الصاد طاء، و(قصر) بقلب اللام راء، وكذلك إمكانية ردّها إلى الجذر الثلاثي (قلل)، ويقاربه معنى دوالّ أُخر بتبدلات صوتيّة نحو: ( قلص)، و(قلع)، و(قلم)، ناهيك عن تغييرات متعددة أخرى تقارب المعنى نحو: (قصع)، و(قصف)، و(قطّ)، و(قطل)، و(قطم)، و(قطعل).

وقد يقلب فيها الجذر كاملاً، ويبقى محايثاً للمعنى، نحو (جذّ) التي تحمل معنى "قَطَعَ الشيءَ حتى يقصر"، ورصد تطوراتها في المعجم ضمن الجذر الثلاثي (جذم)، و(جذع) و(جلع). وكذا الجذر (قزم)، ويعود عليه الدال (قزمل)، و(قزعمل)، و(قذعمل) التي انقلبت فيها الزاي إلى ذال، وهكذا.

وعلى الرغم من صعوبة موثوقية الجذر الأصل إذ تتطلّب دراسة تاريخية تأثيليّة ومقارنة، غير أنَّ هذه الرؤية جديرة بتخليص المعجم العربي من حمولة زائدة نظراً للتكرار عبر القلب، والتصحيف، والتحريف، وغيرها من آليات التوليد اللغوي، وجديرة باستكناه المعنى الأصل من لدن المتلقي، وتشي بمرونة العربية في تأليف الكلم، وقدرتها عبر تضامّها على الإيحاء بالمعنى العام (البؤرة) للدالّ اللغويّ. ولعلها بذا تقارب اختبارَ إبراهيم أنيس طلبتَهُ بمعانٍ لم يسمعوها من قبل، فكانت نسبة إصابة المعنى الأصل بناء على تضامّ حروف عدة معاً معياراً مشيراً إلى جدوى المعنى الدوّار في الجذور الرباعية والبنى الخماسية، بل في معنى الحرف نفسه أيضاً نحو دلالة العين على الغؤورة والاستتار، نحو: غرق، وغفا، وغطّ، وغطس، وغاب، وغام.

ولعلّ الاستئناس بما قاله سيبويه حول حروف الهجاء في العربية التي صُنّفت إلى مستحسَنة ومستقبَحة في ضوء نظرية البؤرة الدلالية يُرجع النظرَ في نسب الحروف، فيجدها -في ظنّنا غالباً- تنتظم في مجموعات ثمانية، تتبادل في ما بينها على وفق شروط مخصوصة تتقارب فيها مخرجاً، أو شدّة، أو رخاوة، أو جهراً، أو همساً، أو في اجتماع صفات عدّة تتقارب ولا تتماثل، فتزيد عدد الدوالّ اللغويّة المتقاطعة، وهذه المجموعات هي:

- حزمة الأصوات الشفويّة والشفويّة الطبقيّ الأسنانيّة: (ب، م، و، ف).

- حزمة الأصوات الأسنانية والأسنانية اللثويّة: (ذ، ظ، د، ظ، ز، ض، ث، س، ص).

- حزمة الأصوات الغاريّة: (ج، ش، الياء الصامتيّة).

- حزمة الأصوات اللثوية: (ل، ر، ن).

- حزمة الأصوات اللهوية: (غ، خ).

- حزمة الأصوات الحلقيّة: (ع، ح).

- حزمة الأصوات الحنجريّة: (ه، ء).

بدلاً من المجموعات المتعارف عليها، وهي: حزمة الأصوات الشفوية (ب، م)، فالشفويّة الطبقيّة: (الواو الصامتية)، فالشفويّة الأسنانيّة: (ف)، فالأسنانيّة: (ذ، ظ، ث، ر)، فالأسنانيّة اللثويّة: (د، ض، ت، ط، س، ص)، فاللثويّة، فالغارية (ج، ش، الياء الصامتية)، فالطبقيّة: (ك)، فاللهويّة (غ، خ)، فالطبقيّة اللهويّة: (ق)، فالحلقيّة: (ع، ح)، فالحنجريّة: ( هــ، الهمزة).

لقد آمن د.إسماعيل عمايرة بتآخي اللغات، وأن بعض اللغات شقائق بعض؛ لهذا يمكن الإفادة منها، بل لا بدّ من استثمارها، كعائلة اللغات السامية التي تنتمي إليها اللغة العربيّة، وهذا التآخي اللغويّ لا يلغي الفرادة اللغويّة لكلِّ واحدة منها بقدر ما يؤكّد ضرورة الإفادة من تآخيها على مستوى التفسير التاريخيّ الصوتيّ والصرفيّ والتركيبيّ لكلماتها دالّات ومدلولات؛ فاللغة عنده -رحمه الله -عالَم من الكلمات التي تحيا بيننا، فنحيا بها، نتواصل بها في الرضا والغضب، كما نتواصل بها في الحبّ والكره والحلّ والترحال؛ لهذا ينبغي أن نجمع شتات كلماتها لنكتشف أنَّنا بذلك نجمع تاريخ تشكّل هوية الأمة العربيّة منذ فجر الكلمة الأولى مروراً بكلّ الكلمات التي عاشت على لكنةٍ ما على ألسنة أجدادنا حتى وصلت إلينا لساناً عربيّاً غير ذي عوج.