الملك الحسين طيب الله ثراه، ترك بصمات البناء والتحديث على المسيرة، فكان شرفا كبيرا لجيلنا بمعاصرة جزء يسير من هذه الانجازات، وسيبقى في الذاكرة والوجدان بوصفه زعيماً قاد بلده عبر النزاعات والاضطرابات إلى أن أصبح الأردن واحة للسلام والاستقرار والاعتدال في الشرق الأوسط، واسلم الراية لنجله عبدالله الذي أكمل المسيرة، وينظر الأردنيون إلى ذكراه بكل حب وتقدير باعتباره مصدر الإلهام لمناخ الانفتاح والتسامح والتعاطف الذي يتمتع به الأردن، فقد ترك تراثاً مزدهراً يبشر بتوجيه دفة الأردن لسنوات طويلة قادمة، وكان جلالته عند رحيله في السابع من شباط 1999م قد أمضى أطول فترة حكم بين جميع زعماء العالم، الذين اجتمعوا هنا في عمان بدون استثناء لوداع يليق بصاحب الإنجاز الذي نقش ملحمة المحبة وسطرها عبر أيقونة هاشمية، بعد مسيرة وضعت الأردن على الخريطة العالمية بإعتراف وسيادة كاملة على أرضه بحدود موثقة، جعلته الدولة الأكثر قوة ومتانة ومكانة في الاقليم.

لم يقتصر اهتمام الراحل الملك الحسين بركن واحد فقط من أركان الدولة الحديثة، بل جعل محور التطور ضمن أجندة البناء والتحديث والتفعيل، وكان له القدر أن يضاعف من جهوده للمحافظة على توازن التقدم، حيث شهد الأردن نهضة عمرانية وبناء شبكة طرق مواصلات حديثة، إضافة لتوازن مع التقدم التكنولوجي بوسائل الإتصال ليكون الأردن جزء من الكل، وربما التركيز على المفاصل الأكثر شمولية يحتاج لسرد لطول القائمة التي نذكر منها؛ النهضة التعليمية عبر انتشار موسع للمدارس الحكومية والخاصة، وافتتاح الجامعة الأردنية الأم في قلب العاصمة، وما تلاها من جامعات بالمحافظات الأردنية، مع عدد كبير من معاهد المعلمين التي رفدت قطاع التعليم بجيش علمي ساهم بوضع لمسات على تربية وتنشئة الأجيال وتعليمها، وقد كان جلالته يؤمن بأن مصدر الثروة الحقيقية للوطن بتعليم أبنائها في مؤسسات الداخل والخارج، فالشهادات سلاح لا يقهر، والعقول المتعلمة تصنع المستحيل وتعلي البنيان. توسيع مظلة التأمين الصحي وافتتاح مشتشفيات ومراكز الإختصاص كان لها نصيب على أرض الواقع، فمستشفى الجامعة الأردنية، مدينة الحسين الطبية، مستشفى البشير، مستشفة الأميرة بسمة، وغيرها من المستشفيات الحكومية والخاصة شواهد، والتي استقطبت الباحثين عن العلاج والشفاء من جميع أنحاء العالم بما تملك من طاقات بشرية وتقنية وأجهزة حديثة، بالتوازي مع تسهيلات لفتح الكليات الطبية بالجامعات الحكومية بهدف رعاية جيل المستحقين من شباب الوطن.

للإعلام نصيب وافر حيث افتتحت الإذاعة الأردنية ومحطة التلفزيون الأردني والعديد من الصحف اليومية التي تحمل رسالة الوطن وتوثق مسيرته، يتقدم مسيرتها جريدة الرأي التي أسند لرجالاتها منذ التأسيس مهمة مقدسة لنقل صورة الأردن المشرقة بديمقراطيته النقية، كما كان للإعلام الخاص مساره، فأنشئت محطات التلفاز والبث الإذاعي الخاصة، وتشجيع على افتتاح المكتبات لزيادة مستوى الوعي والثقافة بين أفراد الشعب، إضافة لملف آخر مرتبط لبناء بنية تحتية اقتصادية وصناعية لتكمل وتعزز التقدم الذي أراد أن يحققه في مجال نوعية حياة شعبه، وخلال عقد الستينات من القرن العشرين، تطورت صناعات الأردن الرئيسية، بما في ذلك الفوسفات والبوتاس والإسمنت، وتتحدث الأرقام عن إنجازات الملك الحسين على الصعيد البشري، الموازي والمكمل، بتوسع غير مسبوق بخدمات اساسيات الحياة لتشمل نهضة حديثة متطورة بأركان المياه والمرافق الصحية والكهرباء والاتصالات، وجعل من العاصمة الأردنية/ عمان، جوهرة العاصمات العربية؛ المحج والمقصد لطالبي متطبات الحياة السعيدة الآمنة، فالإنسان أغلى ما نملك شعارا، تحول بالعزيمة والمتابعة لواقع، وهو الراعي والمبادر لتوزيع ثروة الإهتمام على الأقاليم والمحافظات، بما يسمح من طمأنينة وعدالة للجميع، وللحديث بقية.